تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
إذا قامت القيامة حُطّت التكاليف عن الأعناق ، ورفعت الأحكام الشرعيّة ؛ سواء كانت متعلّقة بالأعمال البدنيّة الظاهرة ، أو الملكات النفسيّة الباطنة ، والقيامة عبارة عن قيام القائم الحقّ ، وأنا القائم الحقّ ، فليعمل عامل ما أراد ، فلا حرج بعد اليوم ، إذ رُفعت التكاليف ، وخَلُصت منها الذمم ؛ أي أُغلقت أبواب الإنسانيّة ، وفتحت أبواب البهيميّة . وبالجملة : فهؤلاء الدهريّون من أهل التأويل ؛ أي « الناتوراليسم » من الأجيال السابقة الإسلاميّة ، عملوا على تغيير الأوضاع الإلهيّة بفنون من الحيل ، ودعوا كلّ كمال إنسانيّ نقصاً وكلّ فضيلة رذيلة ، وخيّلوا للناس صدق ما يزعمون ، ثمّ تطاولوا على جانب الأُلوهية ، فحلوا عقود الإيمان بها ، وبالسفسطة التي سمّوها تنزيهاً ، ومحوا هذا الاعتقاد الشريف من لوح القلوب ، وفي محوه محو سعادة الإنسان في حياته ، وسقوطه في هاوية اليأس والشقاء . فأفسدوا أخلاق الملّة الإسلاميّة شرقاً وغرباً ، وزعزعوا أركان عقائدها ، وساعدهم مدّ الزمان على تلويث النفوس بالأخلاق الرديئة وتجريدها من السجايا الكاملة ، التي كان عليها أبناء هذه الملّة الشريفة ، حتّى تبدّلت شجاعتهم بالجبن وصلابتهم بالخور ، وجرأتهم بالخوف ، وصدقهم بالكذب ، وأمانتهم بالخيانة ، ووقع المسخ في هممهم ، فبعد أن كان مرماها مصالح الملّة عامّة ، صارت قاصرة على المنافع الشخصيّة الخاصّة ، وعادت رغباتهم لا تخرج عن الشهوات البهيميّة ، وكان من عاقبة ذلك : أنّ جماعة من قزم الإفرنج ، صدعوا أطراف البلاد السوريّة ، وسفكوا فيها دماء آلاف من أهاليها الأبرياء ، وخرّبوا ما أمكنهم أن يخرّبوا ، وثبتوا بها نحو مائتي سنة ، والمسلمون في عجز عن مدافعتهم ، مع أنّ الإفرنج كانوا - قبل عروض الوهن لعقائد المسلمين ، وطروء الفساد على أخلاقهم - في قلق لا يستقرّ لهم أمن على حياتهم وهم في بلادهم ؛ خوفاً من عادية المسلمين . وكذلك قام جماعة من أوباش التتر والمغول مع جنكيزخان ، واخترقوا بلاد المسلمين ، وهدّموا كثيراً من المدن المحمّديّة ، وأهدروا دماء ملايين من الناس ، ولم تكن للمسلمين قدرة على دفع هذا البلاء عن بلادهم ، مع أن مجال خيولهم في بدء الإسلام - على قلّة عددهم - كان ينتهي إلى أسوار الصين .