النيتشريّة والنيتشريّينأثبت ثقات المؤرّخين : أنّ حكماء اليونان انقسموا في القرن الرابع والثالث قبل المسيح إلى فئتين : ذهبت إحداهما إلى وجود ذات مجرّدة عن المادّة والمُدّة [ 1 ] ، مخالفة للمحسوسات في لوازمها ، منزّهة من لواحق الجسمانيّة وعوارضها ، وأثبتت أنّ سلسلة الموجودات مادّية ومجرّدة ، تنتهي إلى موجود مجرّد واحد من جميع الوجوه ، مبرّأ الذات عن التأليف والتركيب ، ومحال عند العقل تصوّر التركيب فيه ، وجوده عين حقيقته ، وحقيقته عين وجوده ، وهو المصدر الأوّل ، والموجد الحقيقي ، والمبدع لجميع الكائنات ، مجرّدة كانت أو مادّية . واشتهرت هذه الطائفة بالمتألّهين « الخاضعين للَّه » ، ومنهم : فيثاغورث ، وسقراط ، وأفلاطون ، وأرسطو ومن أهل مذهبهم كثير . وذهبت أُخرى الطائفتين إلى نفي كلّ موجود سوى المادّة والمادّيات ، وأنّ وصف الوجود مختصّ بما يدرك بالحواسّ الخمس لا يتناول شيئاً وراءه ، وعرفت هذه الطائفة بالماديّين . ولما سئلوا عن منشأ الاختلاف في صور الموادّ وخواصّها ، والتنوّع الواقع في آثارها ، نسبه الأقدمون منهم إلى طبيعتها ، واسم الطبيعة في اللغة الفرنسية « ناتور » ، وفي الانجليزيّة « نيتشر » ، ولهذا اشتهرت هذه الطائفة عند العرب بالطبيعيّين ، وعند الفرنسيين باسم « نتوراليسم » ، أو « ماتييراليسم » ، الأوّل من حيث هي طبيعيّة ، والثاني من حيث هي مادّيّة . ثمّ اختلف هؤلاء بعد اعتماد أصلهم هذا في تكوين الكواكب ، وتصوير الحيوانات ، وإنشاء النباتات : فذهب فريق منهم إلى أنّ وجود الكائنات العلويّة والسفليّة ، ونشأة المواليد على ما نرى ، إنّما هو من الاتّفاق وأحكام المصادفة ، . وعلى ذلك فإنّ إتقان بنائها ، وإحكام نظامها ، لا منشأ له إلا المصادفة ، كأنّما أدّت بهم سخافة الفهم إلى تجويز الترجيح بلا مُرجّح ، وقد أحالته بداهة العقل .
هامش
[ 1 ] المُدّة جمع مُدد : البرهة من الزمان قصيراً أو طويلًا ، والغاية من الزمان والمكان .