. . . « وأهم من كل هذا أنه بنى لنفسه وبنيت له في مصر أسطورة حتى غدا الناس في مصر يقدّسونه دون أن يقرءوله ، ويضعونه فوق مستوى النقد . . » . فمن الضروري أن نشير إلى أن السيد الحسيني قد أعار نفسه ووقته وعقله لله وللشعب المصري ، إذ لم يرتح له بال وهو يحس بأقدام الاستعمار البريطاني توغل في صدره ، فانطلق يحرّض الشعب المصري المسلم على الثورة والانتفاضة ضد الاستعمار البريطاني فراح ينادي في أهل مصر . . « فيا أيها المصريون هذهدياركم وأموالكم وأعراضكم وعقائد دينكم وأخلاقكم وشريعتكم قبض العدو على زمام التصرف فيها غيلة واختلاساً ، زحف العدو إليكم تحت راية المحبة ، ثم قلب لكم ظهر المجن ، وتناول بيده الظالمة شئونكم العامة ، من عسكرية ومالية وإدارة وقضاء ، ولم يُبق لكم شيئًا إلا الحرمان من خدمة أوطانكم ، وأنتم أحقّ بها وطالما دافعتم عنها في الأيام السابقة . . » . وفي المقال الافتتاحي ، لأول عدد من جريدة ( العروة الوثقى ) ، يصوّر جمال الدين حادث الاحتلال البريطاني لمصر على أنه كارثة في العالم الإسلامي ، وقد أهاب المسلمين - بباعث من دينهم - أن يتكاتفوا لدفع بلاء هذا الاحتلال . يقول : « . . إن الخطر الذي ألمَّ بمصر نفرت له أحشاء المسلمين ، وانكلمت به قلوبهم ، ولا تزال الأمة تستفزّهم ما دام الجرح نقارا ، وما هذا بغريب على المسلمين ، فإن رابطتهم الملية أقوى من رابطة الجنس واللغة ، وما دام القرآن يتلى بينهم ، وفي آياته ما لا يذهب على أفهام قارئه فلن يستطيع الدهر أن يذلَّهم . . » . وما يُضحك أن يتهم كاتب السيد الحسيني باستلام أموال من الحكومة الفرنسية ؟ ! فإذا كان السيد غايته المال ، لما احتاج لأن يجهد نفسه ويدخل في طرق وعرة وشائكة من أجل خدمة المسلمين ، ولما احتاج إلى أن يعرّض نفسه للهجرة أو الإهانة من قبل الأنظمة الحاكمة كما حدث له في إيران ، عندما هاجمه خمسمائة
العروة الوثقى — صفحة 89
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٨٩