وكأن الإنجليز أحسوا بذلك منه على ما روته بعض الجرائد فدفعوه عن نيل مقصده ولا يزالون يدفعونه ، لكن لو اتفقت بقية الدول مع الدولة العثمانية على إرجاعه لم يبعد وقوعه ، غير أن إحدى الجرائد ذكرت مانعًا قويا وعائقاً شديدًا يحول دون نجاح هذا المقصد وهو امتناع الذات الشاهانية عن إصدار الفرمان لإسماعيل باشا بخديوية مصر ، أيا كانت الحال . واستعظام هذا المانع مبني على ما تراءى للسلطان من أن إسماعيل باشا وهو في أوروپا اعزل فاقد السطوة لاحول ولا قوة كان مهتما للتشويش على الخلافات العثمانية ومعارضة الذات الشاهانية ، وأن الرسائل الكثيرة والمقالات المتعددة المطبوعة بالألسن المختلفة المشحونة بما يمس الخلافة ، وقد وصل إلى علم السلطان أن الحامل على تحريرها هو إسماعيل باشا ، فهذا الظن هو الذي يمنع السلطان من تسهيل الطريق لعودته لحسبانه أنه لو صار له نفوذ وسلطة في مصر فربما صدرت عنه أعمال لا توافق مصلحة الدولة . فعلى رأي صاحب الجريدة إن عود إسماعيل باشا إلى مصر بعد اليأس من إنجلترا لا يكون إلا بإصلاح الصلة مع السلطان واستمالة سائر الدول - هل يمكن هذا ؟ ربما يمكن إذا وثق السلطان بما يطمئن به ووضح للدول ما يصح الركون إليه . هذا إذا لم تراع الدول ولا الدولة العثمانية حركة الأفكار العمومية في مصر فإن جعلت هذا أساس العمل زادت المسألة صعوبة فإن الرأي العام في هذه الأيام مختلف بالديار المصرية . فمن الناس من سبقه ميله لتوفيق باشا ومنهم من قام يدعو إلى حليم باشا ويطلب من الناس أن يوقعوا على محضر بطلبه كما جاءنا به خبر الثقة ، ومنهم من هو ممسك عن الرأي صامت عن القول ، وسنأتي على بيان هذه المسألة فيما بعد إذا دعت الحوادث حقيقة للكلام فيها .
العروة الوثقى — صفحة 456
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٥٦