تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧

الفرصة

إذا تليت سطور الحوادث الأخيرة وأعطيت حقها من الاعتبار ولوحظ ما وصلت إليه هيئة السياسة في أوروپا لهذا العهد القريب وما يشف عنه اجتماع القياصرة الثلاثة وما يرشد إليه تداول الزيارات بين البارون دي كورسيل سفير فرنسا في برلين ، وبين البرنس بسمارك . ولو تبصر متأمل فيما يتبع ذلك لصح له الحكم بخطر هذه الحالة في مصر على إنجلترا وأنه لم يبق لتخليصها من يديها إلا شيء واحد هو قيام العثمانيين على حقوقهم واشتدادهم في طلبها وعدم اطمئنانهم لأعمال وكلاء الإنجليز في الأستانة ، خصوصا في هذا الوقت الذي همت فيه الدول بتخفيض السلطة الإنجليزية ونزع مصر من يد إنجلترا . ويرى السياسيون أنه لا شيء أشد تأثيرا وأجمل عائدة في تلطيف المسألة المصرية من مداخلة الدولة العثمانية . وأخبر مراسل صحيفة التان في قيينا بناء على ما وصل إليه من مصدر موثوق به أن دولة ألمانيا والمنسا وروسيا من رأيهم أن تداخل الدولة العثمانية وتجديد سلطة السلطان في وادي النيل يوجب تعديل الحالة السياسية ، وليس الغرض من هذا إلا كف أيدي الإنجليز عن تلك الأقطار . فليس من ابرأى أن تصغى الدولة العثمانية لنصائح الإنجلترا ووكلائها وهي ترى أن جرائد الإنجليز تنادي بلسان الأمة الإنجليزية على حكومة بريطانيا طالبة منها إعلان الحماية على مصر ، بل والتمكين في الخرطوم بعد رفع الحصار عنها وتنصحها بمد سكة الحديد من سواكن إلى مدينة الخرطوم . فلو تساهلت الدولة في هذا ، فقد فرطت في جزء عظيم من ممالكها ، وأضاعت حقا ثابتا ، وأي دولة سواها تهتم بإخراج الإنجليز من مصر ، فهي صاحبة الحق فيها فلا يكون للدولة نصيب من ملكها إذا أضاعته بالتفريط .
العروة الوثقى — صفحة 457 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده