تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
غيره ؟ نعم ربما يظن أن بسمارك يمنعه عن مثل هذه المعامة رعاية جانب حلفائه من النمسا وإيطاليا لما لهم من المصالح في البحر الأبيض ويصعب عليه أن يصيب بسياسته الجمع بين مراضاة إنجلترا لنيل مصافاتها وبين التمسك بعهوده مع ذوي حلفه ، إلا أنه قد يسهل عليه التخلص من هذا المضيق بالإشارة إلى طرابلس الغرب وبلاد الأرناؤط والإيماء إلى الأراضي البلقانية وسالونيك ويجلوها لأنظار معاهديه ، فيسكن جأشهم ويطمئن خاطرهم فيستثبت بذلك موالاة الدولتين ، ويقلم أظفار روسيا من أوروپا الشرقية ويضيع مصالح فرنسا في بلاد المشرق عمومًا ومصر خصوصًا وفي كل ذلك الربح له ، والخسارة على غيره ، وليست هذه أول فعلة فعلها بسمارك أو يفعلها فهي شرعته التي يرد إليها ويصدر عنها من يوم معاهدة برلين إلى هذا الوقت . وفرنسا واقعة بين مراوغات الإنجليز ومكائد بسمارك ، لها حقوق سابقة في البلاد المصرية كاد يمحى أثرها بمداخلة الإنجليز وبها حاجة شديدة لعلو الكلمة في طريق منشآتها ببلاد الصين والبحر الهندي ومدغشقر . لهذا تبذل الجهد لإجلاء العساكر الإنجليزية عن مصر وتخفيض سلطة الإنجليز فيها ويوجد لها عون من دولة روسيا ولها من المنعة ما لو أيدته أفكار المصريين وآراء ذوي العزيمة من رجالهم وميل أفئدتهم لمكنها من تخليص مصر وانتزاعها من أيدي الإنجليز سعيًا في حفظ مصالحها ووقاية حقوقها ، وهذا مما يؤيد سياسة الدولة العثمانية ويشد عضدها في مدافعة الإنجليز ومطاردتهم من بلادها للدولة العثمانية أن تظهر عزمها في هذه الأوقات لتستنفد ممالكها من طمع الطامعين وتعيد ولايتها على الأقطار المصرية خالصة لها من سلطة المعتدين ، وأن جميع المسلمين ينتظرون منها الحذق في هذه المسألة ولهم فيها الأمل القوي والثقة الكاملة ، ورجاؤهم أن لا تفوتهم هذه الفرصة بدون أن ينالوا بها حظهم من الغنيمة ، وليس على الدولة من بأس إذا طالبت الإنجليز برد حقوقها كافة ، فإنهم بالنسبة إليها أضعف من أن يجاهروها بالعدوان ، وإنا نكرر ما قلناه سابقا من أن الإنجليز يستحيل عليهم أن يعلنوا على الدولة العثمانية حربًا خصوصًا في هذه الأوقات التي أصبحت فيها دولة روسيا متاخمة لمملكة الأفغان ، فإن أول إشاعة لهذه الحرب توقد لهيب الثورة في عموم الممالك