في سكنة تخيل لناظرها أنهم على بساط الراحة مطمئنون ، والمقبل على الفوز من هؤلاء وأولئك إنما هو أحزمهم رأيا وأثبتهم عزيمة وأشدهم بشئونه بصيرة . يقول الإنجليز : إنا عدونا على الهند من زمان طويل فاغتصبناه وحقت لنا الملكية عليه بما هو مقرر في شرائع القوة وقوانين التغلب . وأين ديارنا من هذا الملك العظيم في شرقي آسيا . المسافات طويلة والشقة بعيدة فلا بد أن يكون لنا في كل مكان موطىء لأقدامنا لنحتفظ بأملاكنا ، فلنا حق في اغتصاب جل العالم لأجل الهند ، خصوصًا القطر المصري ، فإن به السبيل التي لا يماثلها سبيل ، وليس لنا عنها غنى وكنا في تطلع إليها من زمن قديم وكثيرًا ما تمسكنا بحبال من الوسائل إليها فرثت في أيادينا بقوة حكام تلك البلاد حتى هيأت لنا حوادث السنين الأخيرة ما أحلنا دارهم وأقرنا في قرارهم . إنا ذهبنا لتقرير توفيق باشا وتثبيته على كرسي الخديوية المصرية ، إلا أنه بقتال ونزال فلا تختلف صورته عن صورة الفتح ، فلنا حق التملك في تلك الأقطار وقد فهم الناس أن مسيرنا إلى مصر كان لغاية إقرارا الراحة وإزالة الاختلال وكأننا صرحنا بذلك عند عزمنا عليه ، لكن الغرض الحقيقي إنما هو تأمين طريق الهند فتسنى لنا ما قصدنا بحلول عساكرنا في وادي النيل ، فثبتنا فيما أصبنا وليس لنا أن نتركه بعد الوصول . وحيث إننا عقدنا العزم على البقاء في مصر وأضربنا عن إخلائها لزمنا ضمانة الديون المصرية وحملها ثقيل على كواهلنا فعلى جميع الدول أن تمدنا بالمساعدة وتكون لنا عونًا على تنقيص الفوائد ولا نحب أن تكون مذاكرتها معنا إلا في المالية خاصة ، فإنا لا نرجو من مفاوضاتها فائدة . أما سائر الشؤون فعلينا تدبيرها وإلينا مصيرها . هذه أقوال تصدر عن آمال يمدون أسبابها إلى برلين ويرجون أن تكون مواصلها ومعاقدها في تلك المدينة عاصمة الألمان . أما البرنس بسمارك وهو مدير السياسة في أوروپا وبيده زمامها فيرى أن هذه فرصة ينتهزها ليستفيد صديقًا وينكي عدوا وليست له علائق سياسية تحمله على المدافعة عن مصر ولا منافسة له مع الإنجليز تبعثه على معاكستهم ، بل له إليهم حاجة في ضمهم إليه وإبعادهم عن فرنسا لتكون منفردة بين الدول لا حليف لها ، وقد تكون له من صلة الإنجليز مآرب أخرى سوى قطع فرنسا من الحلفاء ينالها يوم لحاجة إليها وما هو عنه ببعيد ، فماذا يضره إذا ادخر عونًا وأساء عدوا والنفقة على خزينة
العروة الوثقى — صفحة 356
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٥٦