تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥

في التواني الهلكة

هذا ما ساقت إليه الحوادث المصرية وهي مفتاح الكوارث الشرقية وفيها مغلاقها . العظام من الدول في يقظة لا سنة معها ، وحركة لا فتور فيها ، مفاوضات متواصلة بينها قبل انعقاد المؤتمر ، ومجادلات متلاحقة يدأب فيها ، السياسيون من كل أمة ، بعضها بالمراسلة ، وشيء منها بالمشافهة ، كثرت خلوات السفراء من كل دولة مع وزراء الخارجية من سواها ، يتهامسون ويتغامزون ، ويسرون خلاف ما يعلنون ، ويذهبون إلى ما لا يقصدون ، وقد حملق كل بصره للآخر لعله يلمح من كان وجهه ما ينبئ عن مضمرات سره ، ويصوب كل فكره إلى ما يريد الآخر من قوله ، عسى أن لا يفوته شيء ربما يعتل به ، وجل ما انصرفت إليه قواهم تمثل الرغائب ، وتخييل المطامع ، في صور أبعدها عن الحقيقة ، أقربها إلى الخيال ، يعظمون الحقير ، ويحقرون العظيم ، ويجسمون الموهوم ، ويضلون عن المعلوم ، ويقربون البعيد ، ويبعدون القريب ، يذهب كل بصاحبه إلى رياض من الأماني باهرة الأنوار بزهور الآمال ، وما نبت بهارها إلا على حبائل من المكر ، وفخاخ من الخديعة ، حتى إذا راقه المنظر وخطا خطوة سقط من حيث لا يشعر . هذا يسهل صعبًا ، والآخر يوعر سهلا ، وكل يتبع لحاظ رصيفه إذا أحس منه لمحا لمقصده أبرز له ألوانًا من الفوائد الموهومة ليستلفته عن مرامه ، وإذا شعر منه بفكر يوصله إلى ما يمسه ، فتح عليه أبوابًا من الفزع ليزعجه عما يطلبه ، ويشوش عليه سيره ويقطع سبيل فكره . منهم من يكسب الأصدقاء بمال غيره ، ومنهم من يستفيد الرفقاء بكف شره ، ومن الناس أقوام آخرون على غوارب أمواج الحوادث نائمون ، تقذفهم كريبة وتتلقفهم أخرى ، وهم عنها غافلون . زلزلت بهم الأرض زلزالها ، ودهمتهم الخطوب بأرزائها ، وتوالت عليهم المزعجات ، وتناولتهم عواصف المفزعات ، وهم