لا ريبة فيه بأن إدارة الحكومة الإنجليزية ( حامية النوع الإنساني ) هي التي حرمت أولئك المساكين من التمتع بما آتاهم اللَّه من فضله . إذا سأل عن حال كثير من أولئك المعدمين الذين لا يملكون نقيرًا ولا قطميرًا ، فربما يقف على أنهم كانوا من أرباب الثروة الواسعة والمقدرة السامية وكانوا يسكنون القصور العالية ثم أصبحوا يأوون إلى خصاص بل أقفاص . إذا انتقل الفكر للبحث عن السبب أوصله النظر إلى أسباب كثيرة يرجع جميعها لتصرف الحكومة الإنجليزية وأشدها ظهورًا وفرة الإتاوات ( خرج الأراضي ) وثقل الضرائب على كواهل الأهالي ، فإن الحكومة قد فرضت على العالمين في زراعاتهم ولم تجعل الأداء على حسب ما تجود به الأرض كل عام بقدره ولكنها خرصت ( حزرت ) ما تأتي به كل أرض على درجتها من الخصب وقدرت مبلغًا معينًا تجيبه من العامل في الأرض سواء سلم زرعه من الآفات أو اجتاحته الجوائح . وقد يستغرق مطلوب الحكومة جميع المحصول بل يزيد عنه وأداؤه حتم لا تردد فيه على أي حال ، هذا فضلًا عن الرسوم المختلفة التي لا حد لها ولا نهاية وتعرف عندهم ( بالتكس ) أي الرسوم غير الثابتة أو غير المحدودة ، وربما أتينا على بيانها مع بيان سائر الأعمال بالتفصيل فيما بعد . في هذا المقام تذكرت شيئًا قد يخطر بالبال ، رب غنيّ في مصر يملك مزارع واسعة وإقطاعات كثيرة ( أبعاديات وجفالك ) فير كن إلى ما تفيض عليه من الرزق ويطمئن قلبه من جهة معيشته ومعيشة أبنائه من بعده فيستوى عنده أجناس الحاكمين ولا يبالي بولاية الإنجليز على بلاده حيث سلم له قوته ، وهنا أشير إلى طرف مما يعامل به الإنجليز أمثاله في الهند لتكون له عبرة . أراد الإنجليز أن لا يكون لغيرهم يد على ملك واسع فيما تحت سلطتهم فضربوا على أرباب الإقطاعات رسومًا زائدة يؤدونها عن أراضيهم في أوقات محدودة ثم وضعوا في قانون الزراعة أنه لا يجوز للمالك أن يقيم الدعوى على مزارعيه إذا تأخروا عن تأدية ما شرط عليهم إلا بعد مُضيّ ثلاث سنوات من وقوع موضوع الدعوى ، وإذا خان المزارعون أو أهملوا في أعمالهم أو استأثروا بمحصولات الزراعة فلا يمكن لصاحب الملك أن يخاصمهم في مجالس القضاء إلا بعد مضى
العروة الوثقى — صفحة 348
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٤٨