تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
الآن ما يزيد على ما تنشره الجرائد الوطنية والأجنبية من كشف مساتيرهم وبيان الرزايا التي أصيبت بها الديار المصرية من حلولهم ، لأنهم - الإنجليز - الذين أحسوا بشهرة عالم من علماء المسلمين في الهند وإقبال الناس عليه بالاعتبار أسرعوا بجلبه إلى ديوان الشرطة ( الضبطية ) فعند وصوله إليها يفتح له الضابط مصحف قرآن أو كتاب حديث من الكتب المشهورة ثم يشير إلى آية من آيات الجهاد أو حديث مما يدعو إليه ويسأله : هل أنت معتقد بهذه الآية أو الحديث ؟ فإذا قال نعم قال له فبناء على ذلك يكون من رأيك وجوب الجهاد فينا ، فإذا أجابه : إنني درويش ملازم العزلة على الناس وليس اعتقادي بهذا إلا لأنه كتاب ديني ضرب له الضابط أجل أربعة أيام أو أقل يبين فيها رأيه في الآية أو الحديث فإن مضى الأجل ولم يحرف العالم دينه ولم يبدل عقيدته ولم يبادر بإرسال تحريفه وتبديله وخروجه عن دينه إلى مطبعة من المطابع ليطبع وينشر ، بعثت به الحكومة إلى جزيرة أندومان نفيًا مؤبدًا . ولو رأيت تلك الجزيرة لرأيتها غاصة بأمثال هؤلاء المظلومين ، فدولة الإنجليز التي تحاسب رعاياها المسلمين على خطرات قلوبهم وما يمكن أن يهجس في حديث نفوسهم لا ريب أنها تعد وجود لفظ الإسلام في جريدة كافيًا لمنعها عن الدخول إلى بلاد لها فيها قدم ثابت أو تسعى في تثبيته ، بل تحسب أن من ألد أعدائها شخصًا علق هذا الاسم من أي جنس كان . فلا غرابة في صدور مثل هذه الجور منها غير أننا نعلن لها أن همم الرجال لا تقعدها أمثال هذه المظالم وليس يعجزنا إدخال هذه الجريدة في كل بقعة تحوطها السلطة الإنجليزية الظالمة ، ذلك بعزائم أولي العزم الذين قاموا بإنشاء العروة الوثقى . بلغنا أن بعضًا من الناس يسل سيفه ويشحذ سنانه لمناضلة الولي الحميم ، ويقابل ثناءه بالذم ومدحه بالقدح وإحسانه بالإساءة ، ويواجه نصيحته بالظن ، ولا نظن أن هذا منه عن عمد ولا إغراء عدوه ، وإنما هو لشبهة حجبت نظره عن درك الحقيقة ، فإذا كشفت له الأيام عن الواقع رجع إلى الندم على ما صدر منه وكانت له مثابة إلى الحق وركون إلى الصواب . لا يحزنن أهل الحق القائمون بأمر هذه الجريدة على ما صدر عن الحكومة المصرية من منع العروة الوثقى من دخول القطر المصري ، وليعلموا أن الحكومة المصرية لا دخل لها في هذا المنع . فإن حكومة شرقية لا تسمح لها غيرتها بمنع جريدة لا شيء فيها سوى الدفاع عن الشرقيين وإنما منشؤه حكومة إنجلترا وشأنها معلوم عند كل عارف بأحوالها .
العروة الوثقى — صفحة 346 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده