تصرف الإنجليز في الهند
لا أريد بما أكتب في هذا المقال القصير تنفير قلوب المصريين من سلطة الإنجليز فإن لي يقينًا بأن المصريين الذين أنبتتهم أرض مصر لا يذعنون لولاية الإنجليز ؛ عليهم ، بل يعارضونها بأرواحهم وأموالهم ولهم من الغيرة الدينية والوطنية ما يحملهم على ذلك ، وإن رأوا من عدلها ما لا يصل إليه إنصاف أنوشروان ، ويفضلون ولاية مواطنيهم وإن مسهم منها أنكى ما يكون من الحيف اللهم إلا قليل ممن فسدت أخلاقهم وانتكست طباعهم وقليل ما هم ، وإنما القصد كشف ما تدعيه هذه الدولة العظيمة من العدالة وما تختص به نفسها من الوصاية على نوع الإنسان . إذا أشرف السائر على أي بقعة من البقاع الهندية الواسعة شخص بصره ودهش لبه بما يراه من آثار عناية اللَّه بتلك البقاع وما منحتها من الخصب الطبيعي ، حتى أن الأحجار الصلدة لتنشق عن الأشجار الضخمة العالية الأغصان المورقة الأفنان ، تظل الواحدة منها امتدادًا واسعًا من الأرض وكأن أديم الأرض بما استوى عليه من أنواع النباتات قد بسط عليه بساط من السندس الأخضر فيخيل للناظر أن سكنة هذه الأراضي في خفض من العيش وسعة من الرزق بل يظنهم أسعد من عمر الغبراء ، ولكنه إذا تجاوز السهول والأدوية إلى المدن والقرى ضاق صدره وتفطر قلبه من مناظر سكانها . يرى آلافا مؤلفة يعبرون في الشوارع والأزقة جيئة وذهابًا حفاة عراة بادية سوآتهم ، كاسفة أحوالهم ، لا يجدون رمقة من العيش . يلتمس الواحد منهم عملًا من الأعمال الشاقة يقضي فيه نهاره وبعض ليله ليصيب من الأجر عليه ثلاث فرنكات في الشهر بل فرنكين ونصفًا ولا يتيسر له . ويرى هذه الحال عامة حتى في المدن التي بسواحل البحر على كثرة الأشغال التجارية فيها . ويشتد به العجب عند المقابلة بين خصب التربة وجودة المنابت وسوء حالة القائمين عليها ، ويحكم حكما