تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
هذا هو الذي لا يبرأ منه أحد منهم ولو أقام على البراءة ألف برهان . كيف لا وهم يعلمون أن عزتهم وسيادتهم وما بلغوا من مراتب الشرف والرفعة إنما كان بوصف قيامهم على أعمال البلاد وأهليتهم لاستلام مهامها واستعدادهم لإدارة شؤون الرعية وهم على يقين بأنه لو ساد في ديارهم أجنبي فلا داعي يبعثه إلى حفظ ما لهم من الشرف والسيادة ، بل له من البواعث القوية ما يحمله على تذليلهم وإهباطهم إلى أحط المنازل ليخلفهم على مثل ما كانوا عليه . فما الذي أمسك بألسنتهم عن الكلام ؟ ! هل الخوف ؟ فمن أي شيء يخافون وما الذي يخشونه على أرواحهم أو على بلاددهم إذا قالوا حقا وثبتوا عليه ؟ ماذا يصنع بهم الإنجليز إذا علموا صدقهم في محبة أوطانهم واتفاق كلمتهم على الرغبة في إنقاذها ؟ هل علموا من عدل الإنجليز أنهم يؤاخذون الناس على إبداء آرائهم إذا دعوا إلى المشورة ؟ إن كان هذا فما يبتغون من الحياة ؟ هل ظنوا أن الإنجليز إذا أحسوا باتفاق في الآراء على مصلحة من مصالح البلاد وإن كانت في خروجهم من مصر يستطيعون تحت أعين أوروپا أن يوصلوا ضررًا إلى المتفقين وهم أمراء البلاد وأعيانها ؟ إن رياض باشا وحده لم يخش من إظهار فكره ، فماذا كان يضرّ الأمراء الوطنيين لو عززوه أو كاتفوه على مثل رأيه ؟ قد علم العقلاء من كل أمة أن أشباه هذه الحوادث تكون سببًا في اجتماع الكلمة واتحاد الرأي على مصادمتها وما نراه اليوم من سعادة الأمم العظيمة إنما كان منشؤه ملمات الشقاء التي أنستهم الضغائن والأحقاد وحملتهم على ترك المنافرات الخصوصية وأخذ كل بيد أخيه لدفع ما يخشى منه على بناء الأمة أن ينصدع وأساس الملة أن ينقلع وما سمعنا من أمة اتفقت فخابت ولا ملة افترقت فنجحت . ألا يعلم أمراؤنا أن أوروپا واقفة بالمرصاد لإنجلترا تترقب لها الزلل وتتمنى لها الغلط ، وأن جميع الأسماع في الممالك الأوروپية مصغية لكلمة يتفق عليها وجهاء المصريين وهي : إنا قادرون على إصلاح شئوننا ولا نريد قوة أجنبية تحل في ديارنا . امتدت أعناق السياسيين في أوروپا وانحنت إلى المصريين ليسمعوا منهم كلمة حتى كلت رقابهم والتوت أعصابهم والمصريون يشحون بها عليهم . ماذا ينتظر الأمراء المصريين في قول الحق ؟ إن الأمم لا تطلب منهم إشهار السلاح ولا بذل الأرواح ولكن تطلب منهم قولًا صريحاً لا يجلب إليهم ضررًا ولا يقرّب منهم خطرًا ، لا حول ولا قوة إلا باللَّه .