هذا ما يهيه الإنجليز لأنفسهم ولكن ماذا تعده الحوادث لهم ، كتبوا على أنفسهم تخفيف مصائب الحكومة المصرية في السودان ، وعقدوا لقوادهم الألوية ، وأعدوا لهم العدد ، وكتبوا الكتائب ؛ فسفكت دماؤهم بعد ما ضل سعيهم ، ظنوا أن بعض رزاياهم في سواحل البحر الأحمر فرصة للاستيلاء على السودان الشرقية ، فبعد الجهد ومعاناة الكفاح من عراة العرب تمكنوا من الرجوع بالخيبة ، قنعوا بالاعتصام في حصون القاهرة وما يليها فأزعجهم دوي السيل المندفع عليهم من الجهة الجنوبية ، وإغارة ثائرة السودان على شندي وافتتاحها ، واشتداد الحملة منهم على بربر والخرطوم ، وزادهم خوفًا ورهبة انتقاص كثير من القبائل على مقربة من وادي حلفا وأبي حمد وأوشكت طائشة الفتنة أن تأخذ بقلوب الأهالي فيما تحت أسوان ، وأفزعهم ما أحسوه من أهالي القاهرة ومصر السفلى من تحوّل القلوب وضيق الأنفس ، حتى اضطروا لزيادة الحرس فيها ، مع أن زيادة المعهود في المصريين أنهم أهل السلم والراحة . قصدوا بكل هذه حماية طريق الهند خوفًا على الهند ، فبعدما ورد إلينا من أصدقائنا في لا هور أن لدعوة محمد أحمد في قلوب الهنديين منزلة وأنه لو لم يكن مهديا فالضرورة قاضية عليهم باعتقاده كذلك عسى أن يكون في هذا الاعتقاد جمع لكلمتهم على التخلص من رقّ الإنجليز ، جاءت البرقيات شاهدة على صدق ما كتب إلينا ، ففي الأخبار البرقية أن رجال الشرطة في سملا وجدوا إعلانات ملصقة على جدران المدينة مما كتب فيها إغراء المسلمين بإجابة دعوة محمد أحمد والقيام بنصرته ، وسملا هي في آخر الممالك الهندية الإنجليزية من جهة الشمال الشرقي على القرب من لا هور ، وهذا ما كنّا نخشاه ونبهنا عنه مرارًا . وربما تكون هذه الصدمات الشديدة التي صدعت إنجلترا بعد استفحال أمر محمد أحمد كافية في إذعانها بأن عاقبة الثورة السودانية أشد خطرًا عليها من عاقبة الحركة التي سموها عرابية . رام الإنجليز بكل هذه الاحتياطات المقيدة أن يقرروا الراحة في مصر فإذا الأموال تنهب ، والحقوق تضيّع ، والإدارات في فساد والتجارة في كساد ، والزراعة في بوار والظلم في اشتدد والأمن مسلوب حتى الأرواح والأعراض ، كل هذا باعتراف
العروة الوثقى — صفحة 308
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٠٨