وادي النيل . أما إن أرادت دولة إنجلترا أن ترسم بسيادتها أو ترفع أعلام حمايتها على القصر المصري فما للدول من حق التداخل يصير فرضًا لازمًا وضربة لازب لا محيص عنها . إلا أن كل هذه التهويلات لم تعدل بذلك الفريق الإنجليزي عن مقصده ولم تتحول به عن مشربه فلا تزال جرائدهم تنعق بطلب الحماية على مصر وهم في عمى عن العوائق والموانع التي تصد حكومتهم عن الانصياع إليهم . أما الفريق الآخر من الأمة الإنجليزية ومنهم وزير داخلية إنجلترا ومستر جلادستون فيما يقال فيظهرون التعفف والنزاهة بل يصرحون في خطبهم بأن حكومة بريطانيا لا تستطيع احتمال إدارة البلاد المصرية وليس في إمكانها ضمها إلى أملاكها ولو همت بذلك لرأت من الدول أشد الممانعة وربما رجعت بالخيبة ؛ على أنها تكون قد سنت سنّة سيئة في نقض العهود ، وإخلاف الوعود ، وفتحت للدول هذا الباب ، باب الشر والعدوان . هذا ما ينطقون به على منابرهم ويزعمونه نبأ عما في خواطرهم ، ولكن هؤلاء المتعففين لهم في كل وقت عمل لتمكين أقدامهم في مصر ، ولا يخالفون الفريق الأول إلا في شقاشق الألسن ، هؤلاء هم الذين حولوا الإدارات المصرية ودوائر حكومتها العليا إلى السيرية ، واستلما زمام العسكرية والمالية وإدارة الداخلية والمحاكم القضائية وتصرفوا في أعمالهم تصرف الملاك ، فاستبدوا على المتوظفين من المصريين ، وغلوا أيديهم عن تعاطي أشغال وظائفهم ، حتى آل بهم الأمر إلى ما صرحت به الجرائد الإنجليزية من أنهم أشباح ورسوم تلوح بين جدران الدواوين غدوة وعشيا ، هؤلاء هم الذين يحاول نوابهم ومأمورهم في القطر المصري أن يلزموا أهاليه بتحرير محضر يلتمسون فيه حماية إنجلترا وسيادتها عليهم وإن لم تنجح الحيلة ، هؤلاء هم الذين هموا الآن بتغيير نظام المالية المصرية ورغبوا إلى الدول في عقد مؤتمر بلندن لتغيير قانون التصفية ويريدون أن يجعلوا ذلك ذريعة للاتفاق مع الدول على أن تكون الديون المصرية بأسرها تحت ضمانتهم لتقوم لهم الحجة في الاستيلاء على مصر بعد زمن قصير أو طويل أو ليمهّدوا به طريقًا لمن يخلفهم في الوزارات الإنجليزية ينتهي بالسير فيه إلى تلك الغاية بعينها ، وما طلبوا الماچور پارين وكيلهم السياسي في القطر المصري إلا ليحضر هذا المؤتمر .
العروة الوثقى — صفحة 307
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٠٧