القوة للحق
أخذت دولة بريطانيا في معاملة الشرقيين لهذه الأيام طريقًا غير طريقها المعروف ، وهي تعلم أن نجاحها في أعمالها لديهم ، وبسطة ملكها فيهم واقتطاف ثمرات جنانهم ، إنما كان بذاك الطريق المعهود ، كأني أراها اليوم اكتنهت حقائقهم ، وسبرت خلائقهم ، ووصلت إلى مكنونات صدورهم ، تجاوزت من ظواهرهم إلى ضمائرهم ، وأدلت بخراطيمها إلى قلوبهم ، فأحست سكوتًا ، فحسبته يبسًا ، من شدة الجبن وسرت بدقتها في أوعية دمائهم ، فشعرت منها بفتور ظنته وقوفًا من شدة الضعف فكان من حسبانها أنهم في نهاية العجز عن أعمالهم ، والقيام بشئونهم ، أو أنست منهم الركون إلى المراتب التي نقلت عن معانيها الأصلية ، وجردت عن مدلولاتها : كناظر ، ووزير ، ووال ، وأمير . وهي أشبه بقباب عالية ، إلا أنها خاوية خالية ، فكان من زعمها أن أمراء الشرق شغلتهم بهرجة هذه الصور الظاهرية حتى أنستهم منافعهم الحقيقية . وضرورات حياتهم الجنسية أو الملية ، وقنعوا بما يشيده الوهم ويزينه الخيال . هكذا ظنت كما تدل عليه أعمالها ، ولم يكن ذلك معهودًا منها . دخلت دولة الإنجليز بلاد الهنديين ومدت عينها إلى ما متعهم اللَّه به من أراضيهم ، وطمحت إلى اختطافها من أيدي المسلمين ، إلا أنها ذهبت مذهب اللين واللطف ، وخفض جناح الذل ، والظهور في ألبسة الخضوع والخشية ، وصابرت على هذا السير أزمانًا تقطع مسافات كثيرة في مدة طويلة . نعم كانت تتدرج في نقص أساس السلطنة التيمورية حجراً حجرًا ، وتتملك أراضيها قطعة بعد قطعة ، لكن بدون تعرض للسلطنة الظاهرية ولا مس لنفوذها . كانت تغري الولاة من النوابيين والرجوات بالخروج على السلطان التيموري ، ثم تنوب عنه بالعساكر الإنجليزية والصينية للتغلب على الخارجين تحت اسم الملك ، ولا