تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١

الحزم والعزم

إن أبناء الأمم الغربية إذا عمدوا إلى قصد لا يفترون في طلبه ، وعلو الهمم فيهم تجعل لديهم كل صعب سهلا ، وكل بعيد قريبًا ، يقتحمون المخاطر لاكتساب الشرف ويتجشمون المصاعب للوصول إليه وبلغوا من محبة المجد حدا لا يرونه غذاء لأرواحهم فقط ، بل عدوه مادة النماء لأبدانهم فهم يفرقون خوفاً إذا عرض وهم لفواته ، خشية من هلاكهم وذهاب حياتهم ، لهذا ترى الرجل منهم يجوب فيافي إفريقيا ، ويتسنم جبال سيبريا ، ويخالط قبائل وشعوبًا لا يعرف لهم لغة ، ولا يألف لهم عادة ولا أخلاقاً ، ويتكبد مشاق الحروالبرد والجوع والعطش ، وينازل الموت مع من يخالطه من تلك القبائل البعيدة عنه في جميع أوصافهم ، وهو في كل وقت يقع بين أنياب المنية منهم ، ثم يخلص بما يقتدر عليه من الوسائل ، كل هذا ما يحتمله طلبًا لشرف يكسبه لذاته ، أو ابتغاء مجد يحصله لأمته . ومن هؤلاء الرجال بل من أحزمهم وأجلهم صديقنا الهمام البطل الشهير المستر أوكلي أحد نواب البر لمان الأيرلنديين ، جاء إلينا من أشهر على عزيمة السفر إلى عبيد ، وسألنا أن نقدم له ما يسهل له الوصول مع الأمن على حياته ، فأجبناه بتحرير رقائم إلى من لهم اليد الطولى في مساعدته ، ووردت منه المكاتيب تبشرنا بنوال مبتغاه ، وفي هذه الأيام جاءتنا برقيات بوصوله ومنهم رجال من عظماء الفرنسيين الأحرار ذهبوا إلى مثل مقصده وتوسلوا بمثل وسائله وهم اليوم يتوسطون الطريق . ونرجو لهم سلامة الوصول . ورجاؤنا أن يكون في هؤلاء أسوة للشرقيين ، لا تقعدهم الأوهام الباطلة ، ولا تنيمهم الأحكام الكاذبة ، ولقد كان لهم في أسلافهم أسوة حسنة ، ولكن من الأسف نحتاج في تذكيرهم بما لهم من سابق المجد إلى ذكر أحوال الحاضرين من غيرهم . وللَّه الأمر من قبل ومن بعد .