إنجلترا ومصر معًا ( وكان على الحكومة الإنجليزية أن تجهر بولاية الأحكام في مصر كما صرحت بذلك مرارًا ) . أسرعت دولة إنجلترا في سيرها إلى ما تروم في الأقطار المصرية ، بل تهورت على خلاف عادتها وقد يكون مع المستعجل الزلل . لا نظن من الحكمة ما أتته من الأعمال في مصر وربما وجب عليها تدارك ما فرط منها . إن محمد احمد شمخ أمره وعظم خطره وهو من ورائها لا عائق له في سيره . والقوى تجتمع إليه يومًا بعد يوم . وبعد ما تراه في غير هذا المحل من أخباره جاءت أواخر الأخبار بأن المواصلات انقطعت بين القاهرة وين بربر بالمرة ، وأن جماهير الثائرين يزيد عددهم حول مدينة بربر وقتًا بعد وقت لقصد محاصرتها . ويغلب على ظن الكافة أنهم لا بد أن يغيروا على المدينة بعد قليل ويلتحمون مع حاميتها بموقعة يكون فيها الفصل ، وأن مدير بربر أعياه الإلحاح على الحكومة لتنجده بعساكر إنجليزية ليفرجوا عن المدينة وينقذوا حاميتها وإلا هلكوا . فما ركبته إنجلترا من طريق التصرف في الإدارات المصرية يخلف ظن المصريين فيها ويقطع أملهم من وفاء وعودها ، ويوجد عليها نفوس الأمراء منهم ويوغر صدورهم ، ويحقق لدى العلماء أن من قصدها التصرف في ولاية بلادهم كما يتصرف الملاك فيلتجئون بحكم الضرورة إلى تلبية محمد أحمد في دعوته أو مساعدته على بعض أعماله ، أو تخاذلهم بين يديه وفتح الأبواب له ولا نظن أن إنجلترا تخفي عليها أن علماء مصر هم أساتذة لعلماء المسلمين شرقًا وغربًا ، وأن الجامع الأزهر معهد العلوم الشرعية تسير إليه الركاب من جميع الأقطار ، ويقصده المسلمون من كل ناحية لدراسة الدين وروايته . فلو حزبهم الأمر وأعوزهم الصبر ورأو ولاية الدين في قبضة من ليس منهم فبمجرد إشارة خفيفة وإيماء إلى موافقة محمد أحمد سرا كان أو جهرًا كاف لإيقاد نار الفتنة في جميع أرجاء البلاد الإسلامية ، وتسابق القلوب إلى الاعتقاد بالمدعي والتفاني تحت رايته ، وليس في استطاعة دولة إنجلترا أن تتصرف في أهواء القلوب ولا حركات الأفكار ، وإن أسلحتها الجديدة لا تبدد جحافل الخواطر ، وشتان بين هذه الفتنة وبين التي يسمونها فتنة عرابية . نسأل اللَّه العافية وحسن العاقبة .
العروة الوثقى — صفحة 295
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٩٥