تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
حل بعساكر الچنرال هكس وتستروا بالشكوى من شدة الحر واحتدام نار القيظ ، مع أن وهج الحرارة في جنوب الهند ، حيث كانت تحل هذه العساكر كما ذكرته جرائدهم أشد منه في سواحل البحر الأحمر . وما قاله الچنرال جراهام والأميرال هفت أن الحركات العسكرية قد انتهت على شطوط البحر الأحمر ، يثبت اعتراف هذين القائدين بعجزهما عن فتح الطريق ما بين البحر الأحمر وبربر ، ومساعدة چوردون من هذا الطريق . وبناء على ما أبديناه من البأس صدرت الأوامر إلى الچنرال جراهام بإخلاء المواقع الحربية وإجلاء العساكر عنها الخروج من سواكن بما يمكنه من السرعة وأعقب الأمر اجتماع العساكر بأسرها في تلك المدينة ويقال إن فرقة منها تسافر في التاسع والعشرين من مارس إلى مصر وإنجلترا . وهذا الأمر لا ريب يعده أشياع محمد أحمد والمذعنون لدعوته فتحًا إلهيا وتأييدًا ربانيا ، فيقوي اعتقاد المخلصين له ويقطع شكوك المترددين في قبول دعواه ، ولربما يذهب الوهم بالسذج منهم إلى أن اللَّه أيدهم بالملائكة المسومين ، فكشفوا عنهم عدوهم وبعد هذا تجتمع كلمة القبائل وتثبت أقداهم في مواقف القتال ويزداد حرصهم على تعميم دعوى محمد أحمد ، ومغالبة من لم يذعن لها ويكون هذا الظفر الغريب أقوى برهان لهم على صدق دعواهم . هذا ما أدت إليه سياسة الدولة الإنجليزية التي وطئت بأقدامها أرض مصر لإخماد الفتن لم تجلب مداخلها إلا تعالي اللهب وقوة الضرام ، وبعد ما أسقط في يديها وخابت في سياستها تجافت عن تسليم الأمر لأربابه القادرين على تلافيه من المسلمين ، حتى يحصل الأمن للأجانب والوطنيين ، وتحقن الدماء وتحفظ الأموال ، وعمدت إلى الاستنجاد بحكومة الحبش لحرب السودان ، ولم يأخذها خجل في ذلك وهي تدعي أنها حاملة لواء التمدن والقائمة بنصرة الإنسانية وتتلوا آيات الإنجيل إناء الليل وأطراف النهار ، ثم تستدعى حكومة خشنة غير مهذبة كحكومة الحبش لمقاتلة قوم آخرين وإن كانوا ليس بأقل منهم خشونة لتشتبك حرب بربرية تحرق فيها المدن والقرى ، وتسفك الدماء الغزيرة ويفتك فيها بالأولاد والنساء والشيوخ ومن لا جريمة لهم حتى يفنى بعضهم بعضًا ، ولم تبال في التماس هذه المساعدة أن تصرح للحكومة الحبشية أن الغرض منها كبح المسلمين في السودان