خصوصاً إذا أفضت حوادث الخرطوم إلى قتل چوردون أو أسره وافتتاح تلك المدينة وهي عاصمة السودان . يزيد الطين بلة أن يشتد العثمانيون ويأخذوا بالحزم وقوة العزم في صيانة حقوقهم بأي وسيلة كانت ، وربما نراه واقعاً فإن العقلاء منهم لا يغفلون عن حاجة الإنجليز لمسالمتهم لأن الإنجليز يحكمون على خمسين مليوناً من المسلمين جميعهم يعترفون بحقوق السلطان ويجيبون داعيه إذا دعا ، وهم له أطوع من الترك أنفسهم ، والحذاق من العثمانيين وإن كانوا يرون أن إنجلترا لا تعامل الدولة إلا بالتهديد والإرهاب ، وجعلت هذا طريقًا لنيل أغراضها منها ، إلا أنهم يعلمون أن من المحال على إنجلترا أن تشهر على الدولة حربًا فإن سياسيى بريطانيا وهم أشد الناس خبرة بدقائق الأمور فضلًا عن جلائلها ، لا يخفى عليهم ما تكنه قلوب الهنديين من محبة صاحب السلطة الإسلامية ، بل هم على يقين بأنهم لو جهروا بالحرب للعثمانيين لتقوّضت سلطتهم في الهند لأول وهلة ، لا على المسلمين خاصة ولكن يتبعهم الوثنيون وهذا ظاهر عند كل إنجليزي وإن خفي على بعض العثمانيين ورام ستره عن باقيهم . الاعتقاد بمحمد أحمد أخذ سبيلًا في قلوب الهنديين حتى كتب إلينا أحد أصدقائنا في لا هور أن محمد أحمد لو كان دجالًا لأوجبت علينا الضرورة أن نعتقده مهديا وأن لا نفرط في شيء مما يؤيده . بعد هذا كيف يمكن للإنجليز دفع غائلة محمد أحمد ، حر السودان منع وسيمنع من جولان العساكر فيه ، وطلب العساكر من كور كووسيك بعد شيوع هذا الدعوة في الهند مما لا تجوزه الحكمة ، ولا تظن أن إنجلترا تثير حربًا صليبية بحكومة الحبش على مسلمي السودان ، لأنه يفسد عليها أمر الهند ويخالف أحكام المدنية الحاضرة . فما هي آخر الحيل ؟ أيكتفي بحفظ القنال مع ترك الفتنة يسري لهيبها إلى مصر العليا بل السلفي ؟ إني أخشي كما يخشى العقلاء من شيوع هذه الدعوى ، وكثرة المعتقدين بها أن يلم منها ضرر بدولة إنجلترا وبكل من له حق في مصر ، فعلى الإنجليز كما نصحنا مرارًا أن يصونوا بلادهم ، ويحفظوا طريق الهند بتفويض الأمر للعثمانيين ، وأولي العزم من المصريين قبل فوات الوقت ، وإلى اللَّه ترجع الأمور .
العروة الوثقى — صفحة 281
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٨١