تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩

نصيحة

أشد ما كانت هيبة الإنجليز وملكتها على الشرقيين قبل تكتيب الكتائب وعقد الألوية وسوق العساكر لمقاتلة عثمان دجمة على أميال من سواحل البحر الأحمر ، وكان يخيل للسودانيين بل يلابس اعتقادهم أن القوة الإنجليزية مما فوق الطبيعة وعن مثلها تصدر خوارق العادات ، وكان من ظنون الشرقيين في أقطار أخر أن غرائب القدرة البريطانية بلغت مقالع السحر ، تدهش الألباب وتحير العقول ، وإذا خلج في صدور أمة من الأمم صغيرة أو كبيرة لبعدها عن مركزها أن تغالبها على حق ، أو تناوئها في مرغوب ، انشقت الأرض وانفطرت السماء ، عن كماة من الإنجليز يصبون عليها أصوات العذاب ، ويذيقونها أليم الوبال ، ويخلبون الأرواح من الأجساد ، فيغلبون ولا يغلبون ، خصوصاً إن كان مغالبوهم لا يحملون من السلاح إلا نوعاً من الصنع القديم ، مما كان يستعمله أبناء نوح بعضهم في مدافعة بعض . إلا أن هذه الدولة العظيمة ألجأتها حوادث السودان أن تسوق جيشاً للإيقاع ببعض العرب في نواحي سواكن ، فتحركت الجيوش المنظمة للملاقاة عثمان ورجاله ، وبنى القواد في الزحف قلاعاً « مربعات » من العساكر الباسلة . مدرعة بلوامع من حراب البنادق « السنج » مسيجة بالآلات الجديدة ، من صنع ( رمنتون وهنري مارتين ) ، على أجود طراز يكون منه ، وحصنوها بأبراج من المدافع لا تدانيها من سكان تلك القفار قوة ، ولا تسمو إليها منهم قدرة ، لكن قوة اليقين أو تحكم الجهل دفع على الصفوف الإنجليزية جماعة من عراة العرب وحفاتهم ، فهدموا قلاعها ونقضوا بنيانها ، وقوضوا أبراجها ، وبعد تدافع وتضام وتقدم وتأخر ، في موقعتين عظيمتين ، كرّ الإنجليز إلى سواكن « ساحل البحر » وأخلوا ساحات القتال ، وتقهقر العرب إلى الجبال وعج الإنجليز : غلبنا وانتقمنا .