ماذا أثرت هذه الغلبة العجيبة في نفوس السودانيين ، ثبتت أقدامهم وقوت جأشهم ، وجمعت كلمتهم ، وذهبت بما كان يخامر قلوبهم من الهيبة والرعب ، فجمعوا قواهم واستعدوا للقتال مرة ثالثة ، فحرموا لسوء البخت أو حسن الحظ من ملاقاة خصومهم ، لأن شدة الحر كانت من أعدائهم أو نصرائهم ، حيث ألجأت العساكر الإنجليزية للجاء عن تلك الديار ، فأسرعت إلى البحر لا يستقر لها قدم إلا في مصر أو إنجلترا وما أثارته هذه الغلبة في قلوب السودانيين من ثائرة التهور دعاهم لتضييق الحصر على الخرطوم ، لما علموا أن ليس في قدرتهم أن يقتفوا أثر الإنجليز في البحر ، ولا يستطيعون الإيغال في طلبهم وهم على غوارب الموج ، ولما اشتد الضيق بمن في الخرطوم نهض الچنرال چوردون بشجاعة الأبطال لرفع الحصار فلم تكن إلا كرّة تبددت فيها جيوشه وأعقبتها فرّة إلى داخل المدينة لينتظر ما يأتي به القضاء . ولكن ليستر وجه الهزيمة رمى ضابطين عظيمين من ضباط المصريين بالخيانة ، وأمر أن يضربا بالرصاص فضربا وماتا ، وهما حسن باشا وسعيد باشا « في أخبار البرقيات » أما هذا الغلب في السواحل على هذه الصورة البديعة ، وما حل بچوردون فقد أسقط من شأن إنجلترا وقوتها في أقطار السودان عمومًا ، وجعل كلمتها هي السفلى وبعث السودانيين على الاعتقاد بأنه إحدى كرامات محمد أحمد ، لا حول ولا قوة إلا باللَّه . خطب يعقب خطبًا ، وكرب يحدث كربًا ، هذه الصدمات المتتالية كشفت بعض الستار ، وشف بها الحجاب وأحدثت هزة في قلوب الهنديين ، فكشر النوابون والرجاوات عن أنيابهم ، ومدوا سواعدهم ينظرون إلى ما تطول ويراجع كل واحد نفسه ويمنيها بقرب الخلاص من ضيق الاستعباد ، ويلمح الفرص من خلال هذه الحوادث ، انتشرت أخبار المصائب التي حلت بالجيوش الإنجليزية من مصيبة هكس إلى ما بعدها في جميع أرجاء الهند ، وترى الناس زرافات وفرادى يتناجون في هذه المسألة ويرجعوا على أنفسهم باللائمة فيما فرطوا من قبل وهم على ربوة الأمل ، يستطلعون سوانح الفرص خصوصاً المسلمين فيهم ، كما أنبأتنا به الرسائل الواردة إلينا من أقطار مختلفة من البلاد الهندية ، ونظن أن الدولة الإنجليزية وعماد قوتها الإيهام والتغرير يصعب عليها بعد الآن أن تعيد منزلتها الأولى في نفوس الشرقيين ،
العروة الوثقى — صفحة 280
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٨٠