للهنديين بتكرر طلب العساكر من الهند ضعف القوة البريطانية ، واجتراءوا على حامية الهند وهناك الهول الأكبر . في هذه المدة وهي غير قصيرة يتيسر لمحمد أحمد ودعاته أن يجمعوا قواهم وينالوا من المنعة ما يتعسر على عساكر الهند مقاومته بل هم الآن على القرب مما نقول ، ففي الأخبار الصحيحة أن حالة النيل الأعلى لا ترضي الحكومة الإنجليزية ، والبلاد المجاورة للخرطوم في ثوران شديد وقد انقطع الأمل من فتح الطريق بين بربر وعاصمة نوبيا ، ومحمد أحمد مهتم من نحو شهر بجمع قوة عظيمة يساعده على تنظيمها ضباط من أركان الحرب فيهم اثنا عشر أوروپيا وستون ضابطًا مصريا نجوا من عساكر هكس ، ذكرت جميع ذلك جريدة الديلي نيوز واعترف مستشار خارجية إنجلترا أن المواصلة بين شندي والخرطوم منقطعة ، ولم يصله خبر عن چوردون من حادي عشر هذا الشهر فإذا ترك هذا الخطب الجلل للقوة الإنجليزية فلا نظنه إلا يصدع جدار الهند كما بينا في العدد الماضي ويذهب بكل ما يعبر عنه بالمصالح الأوروپية في مصر ( وليكن كذلك ) . ولا نظن أن دول أوروپا تسمح بضياع مصالحها في الأقطار المصرية خصوصًا بعض الدول التي كانت تسابق إنجلترا في وداي النيل وانحط مقامها فيه بالتداخل الإنجليزي الذي ليست له حدود معروفة ، ولا غايات معلومة ، والى هذا تشير جريدة التان الفرنسية الوزارية حيث تقول : إن إنجلترا لا يمكنها أن تضع مصر تحت حمايتها حتى تناقش الحساب بين أيدي أوروپا ، وتنوّه به جريدة سان بترسپورج حيث تقول : إن روسيا ليس في عزمها أن تفتتح بعمل في مصر فإن إنجلترا اعترفت في جميع الأوقات بأن المسائل المصرية لها هيئة دولية وبناء على هذا لا يمكن القطع في شيء منها إلا باتفاق أوروپا ، هذا إذا تمكنت إنجلترا أن تأخذ على نفسها إطفاء الفتن وإجهاض الثورات ، واستطاعت القيام بما تكتب على ذاتها ، ففي نهايته تطلب عند أوروپا بما تقتضيه مصلحة كل دولة منها ، فإن عجزت كما هو الغالب على الظن أو طال عليها الزمان ، وهي بين ظفر وانهزام ولا تتجاوز في حركاتها العسكرية شواطئ البحر ، فلا ريب أن القلق يستفز الدول لطلب وسائل أخرى سوى ما تهيئه دولة إنجلترا ، وإنا نرى وسيحكم الزمان لنا إن شاء الله أن حفظ حقوق الأوروپيين ، وضبط البلاد المصرية وإخماد نيران الفتنة فيها لا يتم إلا على أيدي أهلها ويفعل الله ما يشاء .
العروة الوثقى — صفحة 252
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٥٢