تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠

المسألة المصرية

إن المسألة المصرية صبغت في إنجلترا عدة صبغات من يوم نشأتها ، وكلما عرضت على العقول في لون خيّل لها أنه أجود ما في الدن ، حتى إذا مضى عليه زمان خفي وأعقبه لون جديد ، وهي في انتقالاتها هذه لا تزداد إلا أشكالا ، ولا تزيد إنجلترا في إنهائها إلا ارتباكًا . كان بود مستر جلادستون أن ينهج في سياسته منهج سلفائه من الإنجليز ، يحبو إلى مقصده بالأناة والتؤدة ، ويلتوي في مسيره إلى معاطف متخالفة ، ويرى أن سلوك الجادة مما لا تقتضيه الحكمة ، ولا يسوغه الحذق ، حتى يبلغ الغاية ويقطع الخلال ( الطريق بين الرمال ) ولا يظهر له أثر يقتفى ، أو كان كما يزعمون أو كما يدعي ، ونادى به على عهد بيكونسفيلد من أنه لا يميل إلى الفتوحات ، وهمه البعد بإنجلترا عن المدخلات في الأمور الأجنبية بالقوة الحربية ، إلا أن الحوادث المصرية ألجأته إلى العدول عن مشربه ، والتطور بغير طوره ، فتضاربت آراؤه وتردد في أعماله ، وسار سيرة المتخبط ، ونشأ من طلعه في السياسة توعر السبل على حكومته في بلوغ ما تريد ، وحدث عنه النزاع بينه وبين بقية الوزراء فيما يجب اتباعه من بعد ، وهو الآن في حيرة بين التمسك بمذهبه السياسي ، والاستقالة من المنصب ، وبين الانفلات منه والتعرض للوم العلاء والسقوط من منزلته في قلوب أحزابه ، وهذه الحيرة مهدت لمعارضيه من الحزب المحافظ طريقًا للسعي في إسقاطه من مكانته السياسية وإهباطه من كرسي الوزارة . الذي أباح لمستر جلادستون أن يركب غير طريقه ، ويتداخل في مصر بقوة السلاح ما زعمه من احتياج تلك البلاد إلى إقرار الراحة ، وتخليصها من خلل الفوضى ، ومن مصلحة إنجلترا أن تتولى إغاثتها مما وقعت فيه ، فمد يده لوضع قواعد العدالة ، وتخليص الحكومة من الضعف وإعادة الأمن إلى البلاد ، وكان يظن أن هذا المطلوب يتم بهدم طوابي الإسكندرية ، والحلول في ثكن القاهرة ، فيكون قد كسب أجرًا أو نال ملكًا