تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
الشموخ بأنفه والنداء باستعداده لمهاجمة العساكر الإنجليزية وأنه لا يقبل التسليم ، إنا لنعجب كما يعجب سائر الجرائد الأوروپية من هذه الرجعة العربية بعد الطنطنة بالنصر والظفر والإعلان بأن العساكر الإنجليزية نالت من الشرف أعلى ما يناله جيش في قتال ، فإن سرعة الرجوع شاهد بيّن على أن هذا الجيش المنظم يقتدر على حفظ مركزه في ساحة الحرب وأنه خشي التلف لو بقي فيه فعاد راجعًا إلى شواطئ البحر . فكأن المقتلة لم تكن إلاكرة أعقبتها قوة حتى عدتها بعض الجرائد هزيمة وحسبتها من الخطأ العظيم لأنها تجرىء العرب على البقاء في الطريق الذي يصل سواكن ببربر وقطع الطريق على سالكيه ، وإنا لا نوافقهم على ذلك لكنّا نعدها عجزًا ظاهرًا عن مقاومة العربان في جبالهم . وما أشبه فعلة الإنجليز هذه بفعلتهم من نحو عشرين سنة عندما كان يحارب في حدود الهند سرايا الأمير عبد الله الوهابي وخوندسوات ، فإنه بعدما انهزم في جبال ( سوات وبنير ) شر هزيمة وترك مدافعه وذخائره رجع ثانية ودخل قرية صغيرة من قرى تلك الجبال . وفاجأها ليلًا على غفلة وأحرقها فقتل أهلها جميعًا وانقلب راجعًا إلى بلاده في الهند من ليلته ، وأعلن بأنه قتل وسلب ونهب وظفر وانتصر ، فليعتبر المعتبرون . وكان الچنرال چراهام بعمله هذا لم يرد إطفاء الفتنة في الأراضي المصرية ، وإنما قصد ردّ شرف العساكر الإنجليزية والأخذ بثأر بعض من قتل نها سابقًا وإقامة البرهان لأوروپا على أن العساكر الإنجليز يقدرون على محاربة العربان ويستطيعون الهجوم عليهم ، نعم إنه لم يغفل التدبير بالكلية فإن الجرائد أخبرت أنه وضع رأس عثمان دجمة في المساومة وجعل لمن يأتي به ألف ليرا إنجليزية ، ونعم ما دبر ولكن يخاف أن عثمان عندما يبلغه الخبر يضع رأس الچنرال في المزايدة ويجعل لمن يأتي به مائة قنطار من سن الفيل ويكون الخطر على الچنرال أعظم ! ! ثم إن الجرائد الإنجليزية على عادتها من ترويج سياسة حكومتها في الحروب أشاعت أن الچنرال چراهام بعد رجوعه إلى سواكن دعا بعض رؤساء القبائل وذكرهم في إقرار الراحة بين سكان البلاد السودانية ورغب إليهم أن يتعهدوا به ، فأجاب بأنه غير ممكن لهم إلا بمساعدة العساكر الإنجليزية وأنهم استصوبوا ما نشره
العروة الوثقى — صفحة 254 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده