تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
قوة ما نصبه الإنجلير من حبائل الحيلة والمكر ، حتى خلبوا قلوب المساكين وأذهلوهم عمّا في أيديهم ، بل أخذوهم عن عقولهم وخطرات قلوبهم ، فسلبوا أموالهم ، وانتزعوا منهم أراضيهم ، وأجلوهم عن أملاكهم ، فاستغنت الأمة الإنجليزية بما سلبت ، وأثرت بما نهبت ، وترفهت بما ملكت ، واليوم تراها حاكمة على أقطار واسعة ، وأنحاء شاسعة ، قواها منقسمة على تلك الأقطار ، متوزعة فيها ، فلاترى في كل إيالة من إيالاتها الشرقية إلا نزرا من العدة والعدد ، وهي في جميعها ضعيفة واهنة ، لا تستطيع ذودًا ولا دفاعًا ، وإن أخف حركة في تلك الأنحاء توجب زعزعة في تلك القوة أو هدمها بالمرة ، وقد ظهر هذا الأمر على الأمة الإنجليزية ، فهي دائما في رجفة على أملاكها ، في خيفة من تمزّقها وضيائها ، تتوجس من كل حادثة في العالم ، وتقلق لأية حركة تحدث في الوجود ، وكل ملمة تلم بالشرق أو الغرب توجب بحدوثها زلزلة في قوى الإنجليز المتوزعة في الأنحاء الضعيفة في جميع الأرجاء . ومع هذا كلّه نرى الأمر لم يزل خفيا على الشرقيين ، محجوبًا عنهم بحجاب الوهم . يمثل الوهم لكل شرقي أن الإنجليز على ما كانوا عليه في ماضي زمانهم ، فمثل الشرقيين مع الإنجليز كمثل مار في مفازة يرى بها جثة أسد مطروحة على طريقه فاقدة الحياة عديمة الحراك فيتوهمها سبعًا ضاريًا ومفترسًا قويا فينكب عن الطريق وهمًا وريبة بدون تحقيق لما تخوف منه ، يرتعد ويسقط ويموت خوفًا أو يضل بعد ذلك عن الجادة وتختلط عليه مسالك الوصل إلى غايته وربما صادف مهلكة في ضلاله ومتلفة في غيه ، بل لا نخطىء إن قلنا إن هذا الوهم كان متسلطًا على الغربيين كما هو متسلط على الشرقيين ، فالأوروپيون كانوا ينظرون إلى إنجلترا في أملاكها البعيدة كما ينظرون إليها في جزائر بريطانيا وكانت حكومة إنجلترا متحصنة ممتنعة في هذه القبة الوهمية ، متربعة على عرش هذه العظمة الخيالية ، يحسّ الإنجليز بضعف قوتهم فيجتهدون دائما في ستره ولا ستار أكثف من الوهم ، ولهذا نراهم في كل حادثة يجلبون ويصيحون ويزأرون ليثيروا بالضوضاء هواجس الأوهام ، فتحول أنظار الناظرين ، وتغشى بصائر المستبصرين ، فتحول دون استطلاع الحقيقة ، وإلا فقليل من الالتفات يكشفها فتقوم قيامة الخراب على الإنجليز .