تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
يوجد في الدول الأوروپية من يهاب دولة الإنجليز اعتبارًا لما في سلطتها من الممالك الواسعة والأمم العظيمة مما لم يبلغ عدده رعية دولة من الدول ، ويقيس شأنها وقوتها في تلك الأطراف القاصية بما يراه في جزائر بريطانيا ويظن أن لها قدرة على الدفاع من تلك الممالك تساوي قدرتها عليه في بريطانيا أو تقرب منه ، ولم يلتفت إلى أن جسم الإنجليز قد مد في الطول والعرض إلى حدّلو حصلت فيه أدنى هزّة لتقطعت أوصاله ( رق حتى انقطع ) تفرقت قواهم في بسيط الأرض حتى لم تبق لهم في موضع قوة ، ورعاياهم في كل صقع في ضجر لا مزيد عليه يترقبون في كل آن زحفًا من خارج يعينهم على ما يقصدون من النكاية بحكامهم الظالمين ، لو التفتت تلك الدولة التي تهاب إنجلترا إلى حقيقة الأمر لما احتاجت في معارضتها ومنازلتها إلى تدبر ولا مشورة ، فقد وصل الأمر من الظهور إلى حد لا يحتاج إلى دقة الفكر لولا حجاب الوهم ، قاتل الله الوهم . إن العثمانيين ينظرون إلى دولة الإنجليز كما ينظرون إلى دولة الروس مع ملاحظة أن دولة إنجلترا تحكم على مائتين وخمسين مليونًا من النفوس فيظنون لهذا النظر أن معارضة هذه الدولة ربما تجلب الضرر ، وليتهم مدوا أنظارهم إلى ما وراء ذلك ليتبين لهم قوتها العسكرية ، وماذا يمكنها أن تسوق من الجنود إلى ميادين القتال ، ويتضح لهم أن هذه الملايين الكثيرة لا اعتداد بها في قوة دولة إنجلترا ، فإنما هي في الحقيقة قوة لأعدائها عليها ، وهي في ارتقاب الفرص لخلع طاعتها ، فمتى ارتكبت دولة إنجلترا بالحرب مع دولة أخري رأيت مائتين وخمسين مليونًا تقاتل عساكر الإنجليز خصوصًا خمسين مليونا من المسلمين في حكومة إنجلترا يعدون الدولة العثمانية قبلة لهم وملاذًا يلجأون إليه وهم أول قوم حربيين في البلاد الهندية . ليت العثمانيين يعلمون أن دولة إنجلترا إنما تستميل المسلمين في الهند بكونها حليفة الدولة العثمانية ونصيرة لها ومدافعة عن حقوقها ، أما والله لو علم العثمانيون ما لهم من السلطة المعنوية على رعايا الإنجليز واستعملوا تلك السلطة استعمال العقلاة لما تجرعوا مرارة الصبر على تحكمات الإنجليز وحيفهم في أعمالهم ، وتعديهم على حقوق السلطان في مثل المسألة المصرية التي هي في الحقيقة أهم مسألة عثمانية أو إسلامية .