الوازع فيه والواضع والرافع ؟ لا ريب أن مثل هذا الشخص أحوج إلى المشورة والاستفادة من آراء العقلاء ، وهو أشد افتقارًا إلى ذلك ممن يكون سعيه لمتعلقات ذاته ، وتكون سعة دائرة افتقاره إلى التشاور على مقدار سعة سلطانه ، وقد أمر الله نبيه وهو المعصوم من الخطأ تعليما وإرشادًا فقال : « وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ » [ آل عمران : 159 ] ، وقال فيما امتدح به المؤمنين : « وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ » [ الشورى : 38 ] ، أي بصر يزوغ عن هذا الصراط المستقيم ؟ ! أي بصيرة لا تهتدي إلى هذا المنهج القويم : « أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ » [ المؤمنون : 68 ] . إن وازع البلاد والقائم على الملك لو ألمح لمحة إلى نفسه لرأى أن بلاده في كل وقت معرّضة لأطماع الطامعين ، وأن الحرص المودع في طباع البشر ، يحرّك جيرانه كل آن للسطوة على ممالكه ليذلوا قومه ، ويستعبدوا أهله ، ويستأثروا بمنافع أرضهم وثمار كدّهم ، ويمنحوها أبناء جلدتهم ، فعليه وعلى من يشركه في أمره من عماله ، والحكام النائبين عنه في إيالاته ، وقوّاد جيشه ، وعلى كل أرباب الرأي ، ومن بهم قوام الملك ، أن يستعدوا لدفع طوارىء العدوان ، ورفع نوازل الغارات الأجنبية ، فلو فرطوا في إعداد لوازم الدفاع ، أو تساهلوا فيما يكف عنهم سيل الأطماع ، أو تهاونوا فيما يشدّ قوتهم ، ويقوّي شوكتهم بأي وجه كان ومن أي نوع كان ، فقد عرضوا ملكهم للهلاك وألقوا بأنفسهم في مهاوي الأخطار . هذا مما يفهمه الأبله والحكيم ، ويصل إليه إدراك الجاهل والعليم ، وهو سرّ الإفصاح والإبهام في قوله تعالى : « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ » [ الأنفال : 60 ] ، أمر بإعداد القوة ووكلها إلى الطاقة وحكم الاستطاعة . على حسب ما يقتضيه الزمان ، وما تكون عليه حالة من تخشى غوائلهم ، هذا أمر الله ينبّه الغافل ، ويذكّر الذاهل « فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً » [ النساء : 78 ] . إعطاء كل ذي حق حقه ، ووضع الأشياء في مواضعها ، وتفويض أعمال الملك للقادرين على أدائها ، مما يوجب صيانة الملك ، وقوّة السلطان ، ويشيد بناء السلطة ، ويحكم دعائم السطوة ، ويحفظ نظام الداخل من الخلل ، ويشفي نفوس الأمة من
العروة الوثقى — صفحة 203
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٠٣