تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
عليه سائر الأمم ؟ ! ولو اتفقوا فليس ذلك ببدع منهم ، فالاتفاق من أصول دينهم ، هل أصاب الخدر مشاعرهم فلا يحسون بحاجات بعضهم البعض ؟ ! أليس لكل واحد أن ينظر إلى أخيه بما حكم الله في قوله : « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » [ الحجرات : 10 ] فيقيمون بالوحدة سدا يحول عنهم هذه السيول المتدافعة عليهم من جميع الجوانب . لا ألتمس بقولي هذا أن مالك الأمر في الجميع شخص واحد ، فإن هذا ربما كان عسيرًا ، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن ، ووجهة وحدتهم الدين ، وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع ، فإن حياته بحياته وبقاءه بقائه ، إلا أن هذا بعد كونه أساسًا لدينهم تقضي به الضرورة وتحكم به الحاجة في هذه الأوقات ، هذا آن الاتفاق ، هذا آن الاتفاق ، ألا إن الزمان يواسيكم بالفرص وهي لكم غنائم فلا تفرّقوا ، إن البكاء لا يحيي الميت ، إن الأسف لا يرد الفائت ، إن الحزن لا يدفع المصيبة ، إن العمل مفتاح النجاج ، إن الصدق والإخلاص سلّم الفلاح ، إن الوجل يقرب الأجل ، إن اليأس وضعف الهمّة من أسباب الحتف ، « وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والْمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » [ التوبة : 105 ] ألا لا تكونوا ممن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ، احذروا أن تقعوا تحت قول الله : « رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ » [ التوبة : 87 ] إن القرآن حي لا يموت ، ومن أصابه نصيب من حمده فهو محمود ، ومن أصيب من مقته فهو ممقوت ، كتاب الله لم ينسخ فارجعوا إليه ، وحكّموه في أحوالكم وطباعكم « وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » [ البقرة : 74 ] . ولعلّ أمراء المسلمين قد وعظوا بسوء مغبة أعمال السالفين وهمّوا بملافاة أمرهم ، قبل أن يقضى عليهم ، بما رزىء به المفرطون من قبلهم ، ورجاؤنا أن أول صيحة تبعث إلى الوحدة وتوقظ من الرقدة ، تصدر عن أعلاهم مرتبة ، وأقواهم شوكة ، ولا نرتاب في أن العلماء العاملين ستكون لهم اليد الطولى في هذا العمل الشريف ، والله يهدي من يشاء ولله الأمر من قبل ومن بعد .