تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣

الوحدة والسيادة

« المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا » أمران خطيران تحمل عليهما الضرورة تارة ، ويهدي إليهما الدين تارة أخرى ، وقد تفيدهما التربية وممارسة الآداب ، وكل منهما يطلب الآخر ويستصحبه بل يستلزمه ، وبهما نمو الأمم وعظمتها ورفعتها واعتلاؤها ، وهما الميل إلى وحدة تجتمع ، والمكلف بسيادة لا توضع . وإذا أراد الله بشعب أن يوجد ويلقى بوانيه ( يثبت ويقيم ) إلى أجل مسمى أودع في ضئاضئه ( أصوله ) هذين الوصفين الجليلين ، فأنشأه خلقًا سويا ، ثم استبقى له حياته بقدر ما يكون فيه من الصفتين إلى منتهى أجله . كل أمة لا تمد ساعدها لمغالبة سواها لتنال منها بالغلب ما تنمو به بنيتها ، ويشتد به بناؤها ، فلا بد يومًا أن تقضم وتهضم وتضمحل ويمحى أثرها من بسيط الأرض . إن التغلب في الأمم كالتغذي في الحياة الشخصية ، فإذا أهمل البدن من الغذاء وقفت حركة النمو ، ثم ارتدت إلى الذبول والنحول ، ثم أفضت إلى الموت والهلاك ، وليس من الممكن لأمة أن تحفظ قوامها ، وتصول على من يليها لتختزل منه ما يكون مادة لنمائها ، إلا أن تكون متفقة في تحصيل ما تحتاج إليه هيئتها . إذا أحسست من أمة ميلًا إلى الوحدة فبشرها بما أعدالله لها في مكنون غيبه من السيادة العليا والسلطة على متفرقة الأمم ، إذا تصفحنا تاريخ كل جنس واستقرأنا أحوال الشعوب في وجودها وفناها ، وجدنا سنّةالله في الجمعيات البشرية ، حظها من الوجود على مقدار حظها من الوحدة ، ومبلغها من العظمة على حسب تطاولها في الغلب ، وما انحرف شأن قوم وما هبطوا عن مكانتهم ، إلا عند لهوهم بما في أيديهم ، وقناعتهم