تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
السفهاء بالممالك الإسلامية ودهورتها أمانيهم الكاذبة في مهاوي الضعف والوهن ، قبح ما صنعوا وبئس ما كانوا يعملون ، أولئك اللاهون بلذاتهم ، العاكفون على شهواتهم ، هم الذين بددوا شمل الملة ، وأضاعوا شأنها ، وأقفوا سير العلوم فيها ، وأوجبوا الفترة في الأعمال النافعة ، من صناعة وتجارة وزراعة بما غلوا من أيدي بنيها . ألا قاتل الله الحرص على الدنيا والتهالك على الخسائس ، ما أشدّ ضررهما وما أسوأ أثرهما ، نبذوا كلام الله خلف ظهورهم وجحدوا فرضًا من أعظم فروضه ، فاختلفوا والعدو على أبوابهم ، وكان من الواجب عليهم أن يتّحدوا في الكلمة الجامعة ، حتى يدفعوا غارة الأباعد عنهم ، ثم لهم أن يعودو لشئونهم ، ماذا أفادتهم المغالاة في الطمع والمنافسة في السفاسف ؟ أفادتهم حسرة دائمة في الحياة ، وشقاء أبديا بعد الممات ، وسوء ذكر لا تمحوه الأيام . أما وعزة الحق وسر العدل ، لو ترك المسلمون وأنفسهم بما هم عليه من العقائد مع رعاية العلماء العاملين منهم ، لتعارفت أرواحهم وائتلفت آحادهم ، ولكن وا أسفا تخللهم أولئك المفسدون الذين يرون كل السعادة في لقب أمير أو ملك ولو على قرية لا أمر فيها ولا نهي . هؤلاء الذين حوّلوا أوجه المسلمين عما ولا هم الله وخرجوا على ملوكهم وخلفائهم ، حتى تناكرت الوجوه وتباينت الرغائب . الاتفاق والتضافر على تعزير الولاية الإسلامية ، من أشد أركان الديانة المحمدية ، والاعتقاد به من أوليات العقائد عند المسلمين ، لا يحتاجون فيه إلى أستاذ يعلم ، ولا كتاب يثبت ، ولا رسائل تنشر . إن رعاة المسلمين فضلًا عمّن علاهم تتصاعد زفراتهم ، وتفيض أعينهم من الدمع حزنًا وبكاءً على ما أصاب ملتهم من تفرّق الآراء وتضارب الأهواء ، ولولا وجود الغواة من الأمراء ، ذوي المطامع في السلطة بينهم ، لاجتمع شرقيهم بغربيهم ، وشماليهم بجنوبيهم ، ولبى جميعهم نداءً واحدًا . إن المسلمين لا يحتاجون في صيانة حقوقهم ، إلا إلى تنبّه أفكارهم لمعرفة ما به يكون الدفاع واتفاق آرائهم على القيام به عند لزومه وارتباط قلوبهم الناشئ عن إحساس بما يطرأ على الملّة من الأخطار .
العروة الوثقى — صفحة 160 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده