تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
بما تسنى لهم ، ووقوفهم على أبواب ديارهم ، ينظرون طارقهم بالسوء ، وما أهلك الله قبيلا إلا بعدما رزئوا بالافتراق ، وابتلوا بالشقاق ، فأورثهم ذلا طويلًا وعذابًا وبيلًا ، ثم فناءً سرمديا . الوفاق تواصل وتقارب يحدثه إحساس كل فرد من أفراد الأمة بمنافعها ومضارها ، وشعور جميع الآحاد في جميع الطبقات بما تكسبه من مجد وسلطان ، فيلذ لهم كما يلذ أشهى مرغوب لديهم ، وبما تفقده من ذلك ، فيألمون له كما يألمون لأعظم رزء يصابون به ، وهذا الإحساس هو ما يبعث كل واحد على الفكر في أحوال أمته ، فيجعل جزءًا من زمنه للبحث فيما يرجع إليها بالشرف والسؤدد ، وما يدفع عنها طوارق الشرّ والغيلة ، ولا يكون همّه بالفكر في هذا أقل من همّه بالنظر في أحواله الخاصة ، ثم لا يكون نظرًا عقيمًا حائرًا بين جدران المخيلة ، دائرًا على أطراف الألسنة ، بل يكون استبصارًا تتبعه عزيمة يصدر عنها عمل يثابر على استكماله بما يمكن من السعة ، وما تحتمله القدرة على نحو ما يكون في استحصال مواد المعيشة بلا فرق ، بل تجد الأنفس أن شأن الأمة في المكان الأول من النظر ، والدرجة الأولى من الاعتبار ، والشئون الخاصة في المنزلة الثانية منهما . ولا تقف فيما تجد عند جلب المصالح ودرء المفاسد لأوقاتها الحاضرة ، بل يأخذ العقلاء منها سبلًا من التفكير ، ويخترطون سيوفاً من الهمّة ، ليصيبوا من سعيهم شوارد من القوة ، ونوادر من المكنة ، ويستخرجوا دفائن من الثروة ويجمعوا ذلك للأمة ، لصيانة حياتها إلى حدّ العمر اللائق لها ، كما يسعى الحازم جهده لتوفير ما يلزم لمعيشته ، وما يطمئن به قلبه في دفع حاجته مدة العمر الغالب ، بل يزيد عليه ما فيه الكفاية لأبنائه من بعده . وإن الدور الأول من أعمار الأمم لا ينقص عن خمسة قرون ثم تتلوه سائر الأدوار وأولها أقصرها وهو سن الطفولية ، وبدء الكمال فيما يليه ، فما أرفع همم العقلاء في الأمم المستبصرة . إذا بلغ الإحساس من مشاعر أفراد الأمة إلى الحد الذي بيّناه ، رأيت في الدهماء منهم والخاصة هممًا تعلو ، وشيمًا تسمو ، وإقدامًا يقود ، وعزمًا يسوق ، كل يطلب السيادة والغلب ، فتتلاقى هممهم ، وتتلاحق عزائمهم ، في سبيل الطلب فيندفعون للتغلب عن الذين يلونهم ، كما تندفع السيول على الوهاد ، ولا تقف حركتهم دون