تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
يدينوا لسلطة من يخالفهم ، بل الركن الأعظم لدينهم طرح ولاية الأجنبي عنهم وكشفها عن ديارهم بل منازعة كل ذي شوكة في شوكته . هل نسوا وعد الله لهم بأن يرثوا الأرض وهم العباد الصالحون ؟ ! هل غفلوا عن تكفّل الله لهم بإظهار شأنهم على سائر الشؤون ولو كره المجرمون ؟ ! هل سهوا عن أن الله اشترى منهم لإعلاء كلمته أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنّة ؟ ! لا . لا . إن العقائد الإسلامية مالكة لقلوب المسلمين ، حاكمة في إرادتهم ، وسواء في العقائد الدينية والفضائل الشرعية عامتهم وخاصتهم . نعم يوجد للتقصير في إنماء العلوم ، وللضعف في القوة أسباب أعظمها تخالف طلاب الملك فيهم ، لأنا بيّنا أن لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم ، فتعدد الملكة عليهم كتعدد وتعارض الغايات ، في قبيلة واحدة ، والسلاطين في جنس واحد ، مع تباين الأغراض وتعارض الغايات ، فشغلوا أفكار الكافة بمظاهرة كل خصم على خصمه ، وألهوا العامة بتهيئة وسائل المغالبة وقهر بعضهم لبعض ، فأدت هذه المغالبات وهي أشبه شيء بالمنازعات الداخلية إلى الذهول عمّا نالوا من العلوم والصنائع ، فضلًا عن التقصير في طلب ما لم ينالوا منها ، والإعسار دون الترقي في عواليها ، ونشأ من هذا ما نراه من الفاقة والاحتياج ، وعقبه الضعف في القوة والخلل في النظام ، وجلب تنازع الأمراء على المسلمين تفرّق الكلمة وانشقاق العصا ، فلهوا بأنفسهم عن تعرض الأجانب بالعدوان عليهم . هذا كان من أمراء المسلمين مع ما فيه من الضرر الفادح عندما كانوا منفردين في ميادين الوغى ، لا يجاريهم فيها سواهم من الملل ، ولكن ضرب الفساد في نفوس أولئك الأمراء بمرور الزمان ، وتمكن من طباعهم حرص وطمع باطل فانقلبوا مع الهوى ، وضلّت عنهم غايات المجد المؤثل ، وقنعوا بألقاب الإمارة وأسماء السلطنة وما يتبع هذه الأسماء من مظاهر الفخفخة وأطوار النفخة ونعومة العيش مدة من الزمان ، واختاروا موالاة الأجنبي عنهم المخالف لهم في الدين والجنس ، ولجأوا للاستنصار به وطلب المعونة منه على أبناء ملّتهم ، استبقاء لهذا الشبح البالي والنعيم الزائل . هذا الذي أباد مسلمي الأندلس ، وهدّم أركان السلطنة التيمورية في الهند ومحا أطلالها وعلى رسومها شيّد الإنجليز ملكهم بتلك الديار . هكذا تلاعبت أهواء