أعظم الملوك في أوروپا . ومن ملوكهم في قرونهم المتوسطة مثل محمود الغزنوي وملكشاه السلجوقي ، وصلاح الدين الأيوبي ، وكان منهم في المشرق مثل تيمور الكوركان ، وفي الغرب السلطان محمد الفاتح ، والسلطان سليم والسلطان سليمان العثماني ، أولئك رجال قضوا ولم يطو الزمان ذكرهم ولم يمح أثرهم . كانت لأساطيل المسلمين سلطة لا تبارى في البحر الأبيض والأحمر والمحيط الهندي ولها الكلمة العليا في تلك البحار إلى زمان غير بعيد ، كان مخالفوهم يدينون لملكوت فضلهم كما يذلون لسلطان غلبهم ، والمسلمون اليوم هم هم يملأون تلك الأقطار التي ورثوها عن آبائهم وعديدهم لا ينقص عن أربعمائة مليون ، وأفرادهم في كل قطر بما أشربت قلوبهم من عقائد دينهم أشجع وأسرع إقدامًا على الموت ممن يجاورهم ، وهم بذلك أشدّ الناس ازدراء بالحياة الدنيا وأقلهم مبالاة بزخرفها الباطل ، جاءهم القرآن بمحكم آياته يطالب الناظرين بالبرهان على عقائدهم ، ويعيب الأخذ بالظنون والتمسك بالأوهام ، ويدعو إلى الفضائل وعقائل الصفات ، فأودع في أفكارهم أصول الحق وبذر في نفوسهم بذور الفضل ، فهم بأصول دينهم أنور عقلًا وأنبه ذهنًا وأشدّ استعدادًا لنيل الكمالات الإنسانية ، وأقرب إلى الاستقامة في الأخلاق ، وربما يرون لأنفسهم من الاختصاص بالشرف ، وما وعدوا به على لسان كتابهم الصادق من إظهار شأنهم على شؤون العالم أجمع ولو كره المبطلون ، لا يرغبون بسلطة لغيرهم عليهم ، ولا يحوم بفكر واحد منهم أن يخضع لذي سطوة من سواهم ، وإن بلغت من الشدة أو اللين ما بلغت . لما بينهم من الإخاء المؤزر بمناطق العقائد ، يحسب كل واحد منهم أن سقوط طائفة من بني ملّته تحت سلطة الأجانب سقوط لنفسه . ذلك إحساس يشعر به وجدانه ولا يجد عنه مسليًا ، وبما ساخ ( غاص ورسب ) في نفوسهم من جذور المعارف التي أرشدهم إليها دينهم ، ونالوا منها النصيب الأعلى في عنفوان دولتهم ، يعدون أنفسهم أولى الناس بالعلم وأجدرهم بالفضل . ذلك شأنهم الأول وهذا وصفهم للآن ، ولكنهم مع هذا كلّه وقفوا في سيرهم ، بل تأخروا عن غيرهم في المعارف والصنائع بعد أن كانوا فيها أساتذة العالم ، وأخذت ممالكهم تنقص أطرافها وتتمزق حواشيها مع أن دينهم يرسم عليهم أن لا
العروة الوثقى — صفحة 158
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٥٨