تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
فمثلهم في اختلاف أعمالهم كمثل المتدابرين على محيط دائرة يتفارقان في مبدأ السير ليتلاقيا على نقطة من المحيط ومثالهم في تغاير مأخذهم لجلب منافعهم كجاذبي طرفي خيطة واحدة ( حبل واحد ) كلٌ آخذ بطرف مع تعادل القوتين ، ففي جذب أحدهما لصاحبه إبعاد لنفسه عنه من وجه ، وحفظ لمكان قربه منه من وجه آخر ، فلا يفترقان ولا يتباينان ، ولا تفنى منفعة أحدهما في منفعة الآخر ، أما إن مسالك الأفراد من مثل هذه الأمة بما منحوه من الارتباط بينهم كأنصاف دائرة مركزها حياة الأمة وعظمتها ، ولا يخرج ولا واحد منهم عن محيط الجنسية ، وإنهم في جلب منافعها واستكمال فوائدها كالجداول تمدّ البحرلتستمد منه . يرى كل واحد منهم أن ما تبتهج به النفوس البشرية ، وتمتاز بالميل إليه عن سائر الحيوانات من رفعة المكانة والغلب وبسط الجاه ونفاذ الكلمة ، إنما يمكن إذا توفر للأمة حظّها من هذه المزايا فيسعى جهده لإبلاغ كل واحد من الأمة أقصى ما يؤهله استعداده ليأخذ بسهم مما يناله . فلا يهمل ولا يخون في الدفاع عن فرد من أفرادها . فضلًا عن هيئتها العامة . وإلا فقد خان نفسه ؛ لأنّه أبطل آلة من آلات عمله ، وقطع سببًا من أسباب غايته ، ولا يحتقر واحدًا من الآحاد ، ولا يزدري بعمله ، ويحسب الشخص من الأمة وإن كان صغيرًا بمنزلة مسمار صغير في آلة كبيرة لو سقط منها تعطلت الآلة بسقوطه . عليك أن تنظر في حقائق الصفات الفاضلة لتحكم بما ينشأ عنها من الأثر الذي بيّناه : التعقّل والتروي وانطلاق الفكر من قيود الأوهام والعفّة والسخاء والقناعة والدماثة « لين الجانب » والوقار والتواضع وعظم الهمة والصبر والحلم والشجاعة والإيثار « تقديم الغير بالمنفعة على النفس » والنجدة والسماحة والصدق والوفاء والأمانة وسلامة الصدرمن الحقد والحسد والعفو والرفق والمروءة والحمية وحب العدالة والشفقة . ألا ترى لو عمّت هذه الصفات الجليلة أمّة من الأمم أو غلبت في أفرادها أيكون بينها سوى الاتحاد والالتئام التام ؟ هل يوجد مثار للخلاف والتنافر بين عاقلين حرّين صادقين وفيين كريمين شجاعين رفيقين صابرين حليمين متواضعين وقورين عفيفين رحيمين أما والله لو نفخت نسمة من أرواح هذه الفضائل على أرض قوم وكانت
العروة الوثقى — صفحة 151 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده