تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
أفراد الإنسان وجود خاص به وأودعت فيه العناية الإلهية من القوى ما به يحفظ وجوده ، وما به التناسل لبقاء النوع ، وهو في هذا يساوي سائر أفراد الحيوان ، لكن قضت حكمةالله أن يكون الإنسان ممتازًا عن بقية الأنواع الحيوانية بكون آخر ، ووجود أرقى وأعلى ، وهو كون الاجتماع ، حتى يتألف من أفراده الكثيرة بنية واحدة يعمّها اسم واحد والأفراد فيه كأعضاء تختلف في الوظائف والأشكال ، وإنما كلٌ يؤدي عمله لبقاء البنية الجامعة وتقويتها وتوفير حظها من الوجود ليعود إليه نصيب من عملها الكلي كما أودع الله في أعضاء أبداننا وبنيتنا الشخصية ، والفضائل في المجتمع الإنساني كقوة الحياة المستكملة في كل عضو ما يقدره على أداء عمله مع الوقوف عند حدّ وظيفة كاليد بها البطش والتناول وليس من خصائصها الإبصار ، والعين بها الابصار وتميّز الألوان والأشكال ، وليس من وظائفها البطش ، والكل حي بحياة واحدة ، وإن شئت قلت الفضائل في عالم الإنسان كالجذبة العامة في العالم الكبير ، فكما أن الجذبة العامة يحفظ بها نظام الكواكب والسيارات ، وبالتوازن في الجاذبية ثبت كل كوكب في مركزه ، وحفظت النسبة بينه وبين الكوكب الآخر وانتظم بها سيرة في مداره الخاص بتقدير العزيز العليم ، حتى تمت حكمة الله في وجود الأكوان وبقائها ، كذلك شأن الفضائل في الاجتماع الإنساني ، بها يحفظ الله الوجود الشخصي إلى الأجل المحدود ويثبت البقاء النوعي إلى أن يأتي أمرالله . أي أمّة يكون الواضع فيها والرافع ، والحارس والوازع ، والجالب والدافع ، وجميع من يدير أمورها ، ويسوسها في شؤونها إنما هم أفراد منها من هاماتها أو من لهازمها « من الأعلياء والأوساط بل سائر الأطراف » ويكون كل واحد منها قائمًا بحق الكل ولا يختار مقصدًا يعكس مقصد الكل ، ولا يسعي إلى غاية تميل به من غاية الكل ، ولا يهمل عملًا يتعلّق بالأمة حتى يكون الجميع كالبنيان المتين لا تزعزعه العواصف ولا تدكّه الزلازل ، وبقوة كل منهم يجتمع للأمة قوة ، تحفظ بها موقعها ، وتدفع بها عن شرفها ومجدها ، وتردّ غارة الأغيار عليها ، فهي الأمة التي سادت فيها الفضائل ، واستعلت فيها مكارم الأخلاق . إن أمة هذا شأنها لا يتخالف أفرادها إلا للتآلف ، ولا يتغايرون إلا للاتحاد ،