بقيت لنا لمحة نظر إلى ما به تقتنى الفضائل ، وتمحّص النفوس من الرذائل ، حتى تسعد الجمعيات البشرية بالاتحاد ، وتصون به أكوانها من الفساد « كل مولود يولد على الفطرة » مادة مستعدة لقبول كل شكل والتلون بإي لون ، فهل ينال كمال الفضيلة من آبائه وأسلافه ؟ ! أني يكون لهم حظّ منها ، وقد كانوا ناشئين على مثل ما نشأ وليدهم ؟ ! يرشدنا رائد الحق إلى أن الاعتدال في أصول الأخلاق والتحلي بحلية الفضائل وترويض القوى والآلات البدنية على العمل بآثارها إنما يكون بالدين ، ولن يتم أثر الدين في نفوس الآخذين به فيصيبوا حظا وافرًا مما يرشد إليه فيتمتعوا بحياة طيبة وعيشة مرضية إلا إذا قام رؤساء الدين وحَمَلَتُهُ وحفظته بأداء وظائفهم من تبيين أوامره ونواهيه وتثبيتها في العقول ودعوة الناس إلى العمل بها ، وتنبيه الغافلين عن رعايتها وتذكير الساهين عن هديها ، أما إذا أهمل خَدَمَة الدين وظائفهم أو تهاونوا في تأديه أعمالها ضعف اليقين في النفوس ، وذهلت العقول عن مقتضيات العقائد الدينية ، وأظلمت البصائر بالغفلة وتحكمت الشهوات البهيمية ، وتسلّطت الحاجات المعاشية ، ومال ميزان الاختيار مع الهوى ، فحشدت إلى الأنفس أوفاد الرذائل ، فيحق على الناس كلمة العذاب ، ويحل بهم من الشقاء ما أشرنا إليه سابقًا . هذه علل الخراب في كل أمة ، لقد ظهر أثرها في أمم لا تحصى عددًا من بداية كون الإنسان إلى الآن ، ولم يزل بقايا بعضها يشهد على ما فتكت به الرذائل فيهم ، بعدما بدلوا وغيّروا كما في طائفة ( الدهير ) و ( منك ) من سكَنة الأقطار الهندية المعروفين عند الأوروپيين بطائفة « باريا » « قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ » [ الروم : 42 ] . فالدين وهو السائق إلى السعادة في الدنيا كما يسوق إليها في الآخرة . تقلب قلب الدهر على بعض طوائف من المسلمين في أقطار مختلفة من الأرض وسلبهم تيجان عزّهم وألقاها على هامات قوم آخرين ، واليوم ينازع طوائف أخرى ولا نخاله يتغلّب عليهم فكشف هذا عن نوع من الضعف ، ولا يكون ناشئًا إلا عن شيء من الإهمال في اتّباع أوامر الشرع الإسلامي ونواهيه بحكم قول الله في كتابه : « إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » [ الرعد : 11 ] . وقد يكون
العروة الوثقى — صفحة 154
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٥٤