لفضائل والرذائل وأثر هما
« وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » [ الذاريات : 55 ] قالوا : للإنسان كمال مفروض عليه أن يسعى إليه ، وقالوا إنّه عرضة لنقص يجب عليه الترفع عنه ، وقالوا كماله في استيفاء ما يمكن من الفضائل ، ونقصه في التلوّث برذيلة من الرذائل ، فما هي الفضائل وما هي الرذائل ؟ الفضائل سجايا للنفس من مقتضاها التأليف والتوفيق بين المتصفين بها ، كالسخاء والعفة والحياء ونحوها ، فالسخيان لا يتشاحنان ولا يتنازعان في التعامل ، فإن من سجية كل منهما البذل في الحق ، والمنع إذا اقتضاه الحق ، فكل يعرف حدّه فيقف عنده ، فلا يوجد موضوع للنزاع عند معاطاة الأعمال المالية ، والأعفاء لا يتزاحمون على مشتهى من المشتهيات ، فإن من خُلق كل منهم التجافي عن الشهوة ، وفي طبيعته الإيثار بالرغائب ، وهكذا إذا استقرأت جميع ما عدّه علماء التهذيب من الصفات الفاضلة تجد أن من لوازم كل فضيلة منها التأليف بين المتّصفين بها في متعلق الأثر الناشئ عن تلك الفضيلة فإذا اجتمعت الفضائل أو غلبت في شخصين مالت نفوسهما إلى الاتحاد والالتئام في جميع الأعمال والمقاصد أو جلّها ، ودامت الوحدة بينهما بمقدار رسوخ الفضيلة . وعلى هذا النحو يكون الأمر في الأشخاص الكثيرة ، فالفضائل هي مناط الوحدة بين الهيئة الاجتماعية وعروة الاتحاد بين الآحاد ، تميل بكل منهما إلى الآخر ، إلى من يشاكله حتى يكون الجمهور من الناس كواحد منهم ، يتحرّك بإرادة واحدة ، ويطلب في حركته غاية واحدة ، مجموع الفضائل هو العدل في جميع الأعمال فإذا شمل طائفة من نوع الإنسان وقف بكل من آحادها عند حدّه في عمله لا يتجاوز بما يمسّ حقا للآخر فيه يكون التكافؤ والتآزر ، لكل شخص من