هذه صفات إذا رسخت في نفوس قوم صار بأسهم بينهم شديداً ، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ، تراهم أعزّة بعضهم على بعض ، أذلة للأجنبي عنهم ، يدعون أعداءهم للسيادة عليهم ، ويفتخرون بالانتماء إليهم ، يمهدون السبل للغالبين إلى النكاية بهم ويمكنون مخالب المغتالين من أحشائهم ، ويرون كل حسن من أبناء جنسهم قبيحًا ، وكل جليل منهم حقيرًا ، إذا نطق أجنبي بما يدور على ألسنة صبيانهم عدوّه من جوامع الكلم ونفائس الحكم ، وإذا غاص أحدهم بحر الوجود واستخرج لهم درر الحقائق وكشف لهم دقائق الأسرار عدوّه من سقط المتاع وقالوا بلسان حالهم أو مقالهم : ليس في الإمكان ان يكون منّا عارف ومن المحال أن يوجد بيننا خبير . ويغلب عليهم حب الفخفخة والفخر الكاذب ، ويتنافسون في سفاست الأمور ودنياتها ، يرتابون في نصح الناصحين ، وان قامت على صدقهم اقطع البراهين ، يسخرون بالواعظين ، وإن كانوا في طلب خيرهم من أخلص المخلصين ، يبذلون جهدهم لخيبة من يسعى لإعلاء شأنهم ، وجمع كلمتهم ، ويقعدون له بكل سبيل ، يقيمون في طريقه العقبات ، ويهيئون له أسباب العثار ، تراهم بتضارب أخلاقهم وتعاكس أطوارهم كالبدن المصاب بالفالج ولا تنتظم لأعضائه حركة ، ولا يمكن تحريك عضو منه على وجه مخصوص لمقصد معلوم ، فتنفلت أعمالهم عن حدّ الضبط ، وتخرج عن قواعد الربط . فساد طباعهم بهذه الأخلاق يجعلهم منبعًا ومبعثًا للضر ، يصير الواحد منهم كالكلب ، أول ما يبدأ بعض صاحبه قبل الأجنبي ، بل كالمبتلى بجنون مطبق ، أول ما يفتك بمربيه ومهذبه ثم يثنى بطبيبه ومن يعالج داءه ، تكون الآحاد منهم كالأمراض الأكالة من نحو الجذام والآكلة ، يمزّقون الأمة قطعًا وجذاذات بعدما يشوّهون وجهها ويشوشون هيئتها ، أولئك قوم يسامون في مراعي الدنايا والخسائس لتغلب النذالة على سائر أوصافهم ، فينتفخون على أبناء جلدتهم ، ويذلون لقزم الأجانب فضلًا عن عليتهم ، وبهذا يمكنون الذلة في نفوسهم ، من دونهم ، ويطبعونها على الخضوع للغرباء ، بل الأعداء الألداء من طبقة إلى طبقة حتى تضمحل الأمة وتنسخ هيئتها وتفنى في أمة أو ملّة أخرى ، سنّة الله في تبدّل الدول وفناء الأمم « وَكَذلِك أَخْذُ رَبِّك إِذا أَخَذَ الْقُرى وهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ » [ هود : 102 ] ، أعاذنا الله من هذه العاقبة ، وحرس أمتنا وملتنا من المصير إلى هذه النهاية .
العروة الوثقى — صفحة 153
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٥٣