التوكل عليه ، فتلك حجة المارقين عن الدين ، الحائدين عن الصراط المستقيم ، ولا يرتاب أحد من أهل الدين الإسلامي في أن الدفاع عن الملة في هذه الأوقات صار من الفروض العينية على كل مؤمن مكلف وليس بين المسلمين وبين الالفتات إلى عقائدهم الحقّة التي تجمع كلمتهم ، وترد إليهم عزيمتهم ، وتنهض غيرتهم لاسترداد شأنهم الأول ، إلا دعوة خير من علمائهم ، وإن جميع ذلك موكول إلى ذمتهم . أما ما زعموه في المسلمين من الانحطاط والتأخّر فليس منشئوه هذه العقيدة - ولا غيرها من العقائد الإسلامية - ونسبته إليها كنسبة النقيض إلى نقيضه ، بل أشبه ما يكون بنسبة الحرارة إلى الثلج والبرودة إلى النار . نعم حدث للمسلمين بعد نشأتهم نشوة من الظفر ، وثمل من العز والغلب وفاجأهم وهم على تلك الحال صدمتان قويتان ، صدمة من طرف الشرق وهي غارة التتر من چنكيزخان وأحفاده ، وصدمة من جهة الغرب وهي زحف الأمم الأوروپية بأسرها على ديارهم ، وإن الصدمة في حال النشوة تذهب بالرأي ، وتوجب الدهشة والسبات بحكم الطبيعة وبعد ذلك تداولتهم حكومات متنوعة ، ووسد الأمر فيهم إلى غير أهله ، وولي على أمورهم من لا يحسن سياستها ، فكان حكامهم وأمراؤهم من جراثيم الفساد في أخلاقهم وطباعهم ، وكانوا مجلبة لشقائهم وبلائهم فتمكن الضعف من نفوسهم ، وقصرت أنظار الكثير منهم على ملاحظة الجزئيات التي لا تتجاوز لذته الآنية ، وأخذ كل منهم بناصية الآخر ، يطلب له الضر ويلتمس له السوء من كل باب ، لا لعلّة صحيحة ولا داع قوي وجعلوا هذا ثمرة الحياة ، فآل الأمر بهم إلى الضعف والقنوط وأدى إلى ما صاروا إليه . ولكني أقول - وحق ما أقول - إن هذه الملة لن تموت ما دامت هذه العقائد الشريفة آخذة مأخذها من قلوبهم ، ورسومها تلوح في أذهانهم ، وحقائقها متداولة بين العلماء الراسخين منهم ، وكل ما عرض عليهم من الأمراض النفسية والاعتلال العقلي ، فلا بد أن تدفعه قوة العقائد الحقّة ، ويعود الأمر كما بدأ وينشطوا من عقالهم ، ويذهبوا مذاهب الحكمة والتبصر في إنقاذ بلادهم ، وإرهاب الأمم الطامعة فيهم ، وإيقافها عند حدّها ، وما ذلك ببعيد ، والحوادث التاريخية تؤيده ، فانظر إلى
العروة الوثقى — صفحة 147
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٤٧