يكون ذلك في حال الشباب و حداثة السنّ و قوّة الطبع و ضعف العقل و رقّة الحال و قلّة العلم ، فيكون اسباب المعصية قويّة ، و اسباب العصمة دونها ، فيغلب العبد فيواقع المنهىّ . و أمّا الشيخ فيكون بخلاف هذه الأحوال ، و لا تكون له هذه الأعذار ، و قد تمّ عقله و قويت حاله ، و بلغ علمه و حلمه ، و سكنت حدّة شهوته ، و ضعفت قوّة طباعه ، و قويت فيه دواعى العقل و آلات الامتناع ، و ضعفت آلات الهوى و دواعى الشهوة . فارتكابه في هذه الحال ما نهى عنه من الزنا ليس إلّا شبه الاستخفاف ، و قلّة المبالاة ، و رداءة الطبع ، و قسوة القلب ، و انطماس نور الهدى ، و إعراضا عن رعاية حقّ المولى . فيجازيه في القيامة إن لم يكن سبقت له منه الحسنى ، فيعرض عنه في الآخرة كما أعرض العبد عنه في الدنيا و الكذب إنّما يكون من الإنسان لدفع مضرّة ، أو لجلب منفعة فيما يخيّل إليه .
يخاف شيئا ممّا يحبهّ أن يفوته ، أو يرجوه أن يصيبه ، و يخيّل إليه أنّ أحدا من الناس يحجزه عنه أو يمنعه ، فيكذب رهبة من إنسان أو رغبة فيه . و الإمام ليس فوقه من الناس أحد يرجوه أو يخافه ، فلا عذر له في كذبه . فكذبه لسوء طبعه و استخفافا بحقّ اللّه تعالى في الوقوف على حدوده . فيجازيه ربهّ يوم لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرّا على سوء سيرته ، حين ملكه اللّه تعالى و مكنهّ من دفع كثير من المضارّ عن نفسه و جلب المنافع اليها ، بما خوّل من نعمه و أتاه من سلطانه و « الزّهو » هو الترفّع و التكبّر ، و الإزراء به من دونه ، و الاستخفاف بعباد اللّه تعالى .
و دواعى هذه الاشياء : الاستغناء ، و قلّة الحاجة ، و الإمكان من بلوغ ما يتمناّه و نيل ما يشتهيه ، و حاجة الناس اليه و رغبتهم فيه و خدمتهم إياّه ، و استكانتهم له ، فيدعوه هذه الاسباب إلى نظره إلى نفسه و اعجابه بها فيزهوه ، و العائل - و هو الفقير - ليست له هذه الدواعى ، و لا معه هذه الآلات ، و لا عذر له في زهوه . فزهوه و ترفعّه في غير ذات اللّه تعالى رداءة فيه ، و قلّة معرفة باللهّ و منازعة منه لربهّ فيما هو له دون خلقه . فيعرض اللّه عنه إن لم يرحمه إهانة له ، جزاء على إعراضه عن عباده المؤمنين و استخفافه بحقوقهم
منهاج الولاية في شرح نهج البلاغة ( فارسى ) — صفحة 1010
مساهمون: ملا عبد الباقى صوفى تبريزى ( دانشمند )
ص١٠١٠