حين مفارقة هذه النشأة . فيظهر بعضهم فى البرزخ ، بل و برهة من زمان الحشر فى صورة أسد و دبج و طير كما ورد فى الشرع ، و شهد بصحتّه الكشف و التعريف الإلهى ، و ليس هذا بالمسخ و التناسخ المستنكر . فإنّ القائلين بذلك زاعمون أنهّ فى الدنيا ، و هذا إنّما هو فى البرزخ بعد الموت ، فافهم و من غلبت عليه الأحكام الروحانية ، و أفرط إعراضه عن هذه الدار و هذه النشأة - كالشهداء المقبولين ( 1 ) فى سبيل اللّه للجهاد بطيب قلب و صحّة إيمان - يظهر نفوسهم فى صور طيور روحانية ، كما أخبر - صلّى اللّه عليه و آله و سلّم - : ( 2 ) « إنّ أرواح الشّهداء فى حواصل طير خضر ، تعلّق من ثمر الجنّة ، مأوى إلى قناديل تحت العرش . » و ورود فى المعنى فى الحديث الصحيح ، أنّ فى غزوة احد قال بعض الصحابة لبعضهم معاتبا له : « أ تعقد عن جنّة عرضها السّموات و الأرض و اللّه إنّى لأجد ريحها دون احد . » و هذا من بركة نور الإيمان و ( 3 ) استفراغ الهمّة حال التوجهّ . فمع الإعراض التامّ عن هذه النشأة و هذه الدار ، و استشهد صاحب هذا القول يؤمه ذلك - رضى اللّه عنه - و المتوسّطون من الأولياء المفرطين فى الإنقطاع عن الخلق و المجاهدات البدنية أيضا كذلك . و أمّا الكمّل فإنّهم لا ينحرفون إلى طرف من الوسط ، بل يوفّون كلّ مرتبة حقّها . فهم تامّون فى عالم الطبيعة ( 4 ) و لا الروحانية . و من سواهم امّا مغلوب الروحانية مستهلك الطبيعة ، و امّا مغلوب الطبيعة مستهلك قواه الروحانية فى عرصة طبيعته
منهاج الولاية في شرح نهج البلاغة ( فارسى ) — صفحة 315
مساهمون: ملا عبد الباقى صوفى تبريزى ( دانشمند )
ص٣١٥
هامش
( 1 ) النفحات : المقبلين
( 2 ) « إنّ النبىّ قال : لمّا أصيب إخوانكم باحد ، جعل اللهّ أرواحهم فى حواصيل طيور خضر ترد أنهار الجنّة و تأكل من ثمار . » بحار الأنوار ، ج 6 ، ص 209 « قال أبى بصير قلت لأبى عبد اللهّ : انّا نتحدّث عن أرواح المؤمنين أنّها فى حواصل طير خضر ترعى فى الجنّة و تأوى إلى قناديل تحت العرش . » بحار الأنوار ، ج 6 ، ص 270
( 3 ) النفحات : فرط استفراغ
( 4 ) همان : فى عالم الطبيعة و تامّون فى الحضرات الروحية فلا تغلب عليهم الطبيعة