مع الشيخ المفيد ( رحمه اللّه ) قد مر ذكرها فكم كانت هذه الوالدة مباركة على أبنائها ، في أحرج الأدوار التي مرت عليهم . فكلما تقرأه من رثاء الشريف لها قليل في جزاء عاطفتها وحنانها ، على ولديها وتثقيفهما وتربيتهما ولم يبالغ الشريف إذا قال فيها :
فمن الممول لي إذا ضاقت يدي * ومن المعلل لي من الأدواء
لو كان مثلك كل أم برة * غني البنون بها عن الآباء
لقد كان الشريف في أواخر هذا الدور ، يقرض الشعر وقد عرف به في بغداد . ولم يسمعنا منه في آل بويه شيئا إلا ما كتبه لأبيه وهو معتقل بالقلعة في شيراز ، لما ظهر موت عضد الدولة . وقد مرت عليك أبياته في ذلك . وإذا قرأتها تجد الروعة والرهبة تترقرق بين كلماتها ، وليس فيها من أمر عضد الدولة إلا الكتابة والرمز ، ثم لما انقضى هذا الدور ابتسم لهم ثغر الدهر كان شرف الدولة واليا من قبل عضد الدولة أبيه على كرمان ، ولما بلغه موت أبيه سار إلى فارس فملكها ونفسه طامحة إلى دار السلام ، ولا ريب أن أبا أحمد والد الشريف ، لما دخل اتصل بشرف الدولة في فارس وأعمل بصيرته ورأيه في استغلال هذه الفرصة ، وبلغه ضعف صمصام الدولة ، وكانت قوة شرف الدولة الفاتح ماثلة لديه ، فاستعمل - جهده - كل الأسباب التي تقربه من شرف الدولة ، وفي الوقت نفسه كان شرف الدولة يحتاج إلى مثل أبي أحمد الذي يعرف من بغداد ظواهرها وخفياتها ، والذي يتمتع بشهرة واسعة بين الزعماء والسراة ، والأكابر والعشائر التي تقطن الأرياف المحيطة بها ، والخبير البصير بأسرار حكومتها وتقاليدها . فمن هنالك انعقدت الصلة ما