الآخرة وتسعى لها تاركة الدنيا وما فيها وطالما سمعتها كثيرا من الخطباء والوعاظ وأهل الدين وأهل الخير .
إنما الدنيا دار مجاز . . . دار لا استقرار فيها ولا دوام . . . دار يعبرها الإنسان إلى الآخرة . . . طريق يمر عليه ولا يستقر وأما الآخرة فهي دار القرار . . . الدار التي يحط الإنسان فيها رحله ويستقر فلا ظعن عنها ولا هجرة منها وإذا كان الأمر كذلك فالعاقل من يأخذ من ممره إلى مقره من دنياه إلى آخرته وكيف يأخذ وما يأخذ .
إنه يعمل الصالحات يقوم بالواجبات ويترك المحرمات فإذا به يأخذ أجرها وثوابها إلى الآخرة . . . « فخذوا من ممركم لمقركم » خذوا الأجر والثواب المترتب على أعمالك في دار الدنيا إلى الآخرة التي هي مكان الاستقرار والدوام .
« ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم » لا تخلعوا الأستار التي تحجب معاصيكم وسيئاتكم عند اللّه الذي يعلم أسراركم وإذا كان يعلم الأسرار فهو يعلم الظواهر بطريق أولى فلا يخفى عليه خافية وهذا نهي عن ارتكاب المعصية بأي وجه من الوجوه .
( وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم ) دعوة إلى الزهد في الدنيا والإعراض عنها بأن يعرض بقلبه عن زينتها وما فيها وهو في دار الدنيا قبل أن يخرج عنها بالموت .
وبيّن سبب ذلك بأننا خلقنا للاختبار والامتحان فيها فهي مدرسة يمتحن فيها الإنسان ثم يتركها إلى الدار الآخرة التي خلق لها ومن أجلها والعاقل من ينظر إلى الهدف فلا يشغله الطريق إليه عن الوصول إليه . . . ( إن المرء إذا هلك قال الناس : ما ترك وقالت الملائكة ما قدم للهّ آباؤكم فقدموا بعضا يكن لكم قرضا ولا تخلفوا كلا فيكون فرضا عليكم ) منطق الناس أن الإنسان إذا مات قالوا ما ترك خلفه من أولاد من أموال . . . من ميراث بينما الملائكة تقول : ما قدم من صلاة وصوم وحج وزكاة وصدقات وأعمال بر وخير . . . منطقان مختلفان . . . منطق الناس منطق المادة والحسابات الدنيوية بينما منطق الملائكة منطق القيم والمثل والأجر والثواب ومنطق الآخرة . . . منطق الناس الذين نسمعهم بآذاننا ونراهم بأشخاصهم أمامنا يقولون ما ترك . . . ما ترك كلمة أهل الدنيا وحديثهم عندما يموت أحد الناس . . . بينما ما قدّم كلمة الملائكة التي تشعر بعظيم ما يقدم عليه من الآخرة وأنه لا
شرح نهج البلاغة — صفحة 439
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٤٣٩