ولم يطل العهد ولم يخل منك الذكر ) بوفاة الصديقة استرجع الإمام شريط الأحداث الماضية . . . ما جرى عليه وعليها . . . وكيف مارست هذه الأمة بحق عزيزة المصطفى أبشع صور التعامل وأقبحه . . . استرجع وأظن أن هذه الحالة البشرية تعتري كل واحد منا عندما يموت له عزيز يسترجع الذكريات الحلوة والمرة ما مرّ عليه وما جرى له إنه يستحضر في ذهنه الماضي كله ويختصره في عبارات تؤدي المطلوب ، والإمام في هذا الموقف الرهيب يستذكر ما جرى على الزهراء وكيف اجتمعت الأمة على ظلمها فسلبتها حقها وردت حجتها وما ادعته لنفسها ثم ظلمتها في قهرها وضربها وأهانتها ثم بعد ذلك في ممارسة الأمة من الظلم على زوجها وحرمانه من حقه في الخلافة . . . إنها ذكريات مرّة لم يستطع الإمام أن يبثها إلا إلى حبيبه وهذا هو وقتها وقد دفن الزهراء ووقف على قبر رسول اللّه . . . إنها فرصة يستطيع الإمام أن يخفف فيها مما يعيشه من الأسرار والأحزان . . . يا رسول اللّه ستخبرك ابنتك الزهراء . . . بضعتك الطاهرة الحوراء ستخبرك بأول اجتماع بك وأول لقاء معك باجتماع الأمة على ظلمها وأخذ حقها ومصادرة ميراثها وأملاكها فأنت يا رسول اللّه شدّد الطلب واستقصي الخبر فستجد عظم المصاب وجلل الخطب وفداحته . . . استخبرها الحال الذي جرى عليها وعليّ وما يجري الآن . . . إنها أحداث رهيبة تنكّر القوم فيها لرسول اللّه وحاربوه في أهله وذريته وأقرب الناس إليه وأنني أعتقد لو كان في الأمة حب لرسول اللّه وولاء له لحفظوه في وحيدته الزهراء التي خلّفها بعده ولم يترك من أثره غيرها ، وأعتقد أن الزهراء لو كانت في غير هذه الأمة لقد سوها لذاتها ولرسول اللّه ولكنها الأمة التي اجتمعت على نصب العداوة لمحمد ولم تقدر أن تقابله في حياته فواجهته في أهله فنحّت عليا عن الخلافة وظلمت الزهراء أبشع صور الظلم من الضرب والإهانة وسلب ميراثها وسمّت الحسن المجتبى وقتلت الحسين الشهيد وسيّرت أهل بيت رسول اللّه سبايا تجوب بهم البلاد . . . وهكذا . . . هذا وبعد لم يطل العهد بفراقك إذ لا زلت شاخصا أمام أبصارهم تتراى ء لهم في كل مكان ولم يخل منك الذكر إذ يعيشون ذكرك ويعيشون مقامك بينهم وحديثك لهم . . . فمع قرب عهدك بهم وذكرهم لك فعلوا ما فعلوا من الظلم والاعتداء وهضم الحق لأهلك وبالخصوص لابنتك وعزيزتك وبضعتك الزهراء . . . ( والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم فإن انصرف فلا عن ملالة وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد اللّه الصابرين ) أراد أن يودعهما فختم بالسلام عليهما كما بدأ به . . . السلام عليكما سلام مودع وللوداع لوعة في القلب يعرفها المحبون عند الوداع . . . لوعة
شرح نهج البلاغة — صفحة 435
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٤٣٥