مخزون ) هذه وصية الإمام بعد أن ضربه اللعين ابن ملجم وهي تتضمن موعظه غالية للناس ليستعدوا ويتأهبوا للموت ويتعظوا به ويأخذوا العبرة من مقامه الذي هو فيه الآن . . . كل إنسان يفر من الموت وفي أثناء فراره يجده لأن مدة فراره تذهب بأيامه وفيها ذهاب عمره وإتيان أجله قال تعالى : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فإَنِهَُّ مُلاقِيكُمْ . . .
والأجل وهو الموت يسوق النفس إلى نهايتها وتنتهي عنده فإذا هرب منه فكأنه يهرب إليه باعتبار احاطته به وسيطرته عليه .
ثم بين إنه كان يطرد الأيام بقوة وشدة فإذا مضى يوم لم يستشهد فيه طرده ليأتي غيره عسى أن يكشف له عن شهادته ويحمل له سعادته فيأبى اللّه أن يظهر له أو يكشفه بل يبقى وقت الشهادة مجهولا إنه من العلم المخزون عند اللّه الذي لم يطلع عليه أحدا من خلقه والإمام كان يعرف إنه يذهب شهيدا وفي بعض الأخبار يعرف قاتله بل يعرف بعض الخصوصيات لقتله ولكن يبقى هناك علم مكنون عند اللّه لم يظهره لأحد من خلقه به نقدر أن نفسر الشهادة ونرفع عن الإمام تهمة إلقاء النفس في التهلكة وليس في هذا الأمر الإلهي غضاضة على الإمام أو حط من شأنه لأنه ليس فيه تكليف قد أخل به أو أخطأ . . . ( أما وصيتي : فاللهّ لا تشركوا به شيئا ومحمدا صلّى اللّه عليه وآله فلا تضيعوا سنته أقيموا هذين العمودين وأوقدوا هذين المصباحين وخلاكم ذم ما لم تشردوا ) أما وصيتي التي أريدها منكم وأريد لكم أن تعملوا بها وتتنبهوا لها : فاللهّ لا تشركوا به شيئا وهذا هو مفتاح النجاح فإن من وحد اللّه ورفض كل ما سواه استدعى منه أن يعمل بكل ما أمر ويترك كل ما نهى وبهذا يصدق التوحيد .
وأما النبي محمد فلا تضيعوا سنته أي أقيموها وأعملوا بها ولا تهملوها أو تسوفوا في تطبيقها ومن وحّد اللّه وعمل بسنة رسول اللّه فقد فاز ونجح وقد شبههما الإمام بعمودي الخيمة التي تقوم عليهما وهما عمودي الإسلام الذي ينهض بهما وترتفع أعلامه بهما ، عليهما يقوم نظام المسلمين في معاشهم ومعادهم كما إنه عليه السلام شبههما بالمصباحين لأنهما يهديان إلى جنات النعيم ويضيئان الدرب إلى الحق المبين . . فإذا تم هذا لكم فلا ذم عليكم بعده وقد برئتم من كل ما يعيبكم أو يحط من شأنكم إذا استمررتم على ذلك ولم ترتدوا عنه أو تتفرقوا عنه إلى غيره . . . ( حمل كل امرى ء منكم مجهوده وخفف عن الجهلة رب رحيم ودين قويم وإمام عليم ) لما أمرهم بتوحيد اللّه والعمل بسنة رسول اللّه وكان هذا تكليف كبير أراد أن يخفف
شرح نهج البلاغة — صفحة 456
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٤٥٦