عنهم همهم فقال كل إنسان يحمل قدر طاقته ويحاسب قدر معرفته فلا يحاسب القاصر كما يحاسب المقصر ولا يحاسب من وصله البيان كما يحاسب من لم يصله البيان وقد خفف عن الجهلة فلا يحاسبوا حساب العلماء فربات الحجال وأهل الغباوة لا يحاسبهم اللّه حساب من يعرف الحقيقة وفحص ومحّص حتى توضحت امامه الأمور .
ثم وصف اللّه بالرحمة فهو الرحمن الرحيم يغفر لمن أخطأ وأساء إذا تاب وأناب كما أن هذا الدين مستقيم لا عوج فيه فهو دين ينسجم مع الفطرة ويتوافق مع العقل ليس فيه شيء ينكر أو أمر يستبعد .
وأراد بالإمام العليم رسول اللّه فإنه العليم بكل اسرار الحياة والكون وما يوصل إلى اللّه ويبلغ به الإنسان الجنة ودار السلام .
ويمكن أن يريد به نفسه وكل إمام في زمانه لأن الأئمة امتداد لرسول اللّه وخلفاؤه وهم علماء الأمة وقادتها أعطاهم اللّه من علمه ما يغطون به حاجة الإنسان في الدنيا وما يوصله إلى الآخرة بسلام وأمان . . . ( أنا بالأمس صاحبكم وأنا اليوم عبرة لكم وغدا مفارقكم غفر اللّه لي ولكم ) فبالأمس كنت صاحبكم الذي تعهدونه بالقوة والرأي والأمر والنهي والشجاعة والإقدام وأما اليوم فأنا عبرة لكم لأنني بين أيديكم صريع هذه الضربة الظالمة الكافرة ملقى صريعا ضعيف الحركة أعالج سكرات الموت فاستعدوا لمثل هذه الساعة وتأهبوا لمثل هذا الوقت الصعب وأما غدا فأنا مفارقكم سأترككم وأرحل إلى الرفيق الأعلى سأترك الدنيا وطلابها وما فيها غفر اللّه لي ولكم . . . ( إن تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك وأن تدحض القدم فإنا كنا في أفياء أغصان ومهاب رياح وتحت ظل غمام اضمحل في الجو متلفقها وعفا في الأرض مخطها ) إن بقيت بعد هذه الضربة ولم أمت فذاك تقدير اللّه وما تحبون وإن أمت بها فإنا كنا في دنيا سريعة الزوال كما هو الحال في أفياء الأغصان التي تنقضي بسرعة ومحل هبوب الرياح التي تمر بعجلة وتحت ظل غمام لا تلبث الغمام أن تتفرق في الجو وتذهب وحدتها ولا يبقى لها أثر في الأرض أو عليها . . . شبه وجوده فيها بهذه الأمور التي تذهب وتزول بسرعة . . . ( وإنما كنت جارا جاوركم بدني أياما وستعقبون مني جثة خلاء ساكنة بعد حراك وصامتة بعد نطق ليعظكم هدوي وخفوت اطراقي وسكون اطرافي فإنه أوعظ للمعتبرين
شرح نهج البلاغة — صفحة 457
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٤٥٧