تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
من المنطق البليغ والقول المسموع ) لقد جاورتكم ببدني أياما قليلة إشارة إلى أن نفسه الشريفة كانت متعلقة بالملأ الأعلى متصلة باللهّ وستجدون في عاقبة أمركم مني جسدا خاليا من الروح وجثة هامدة بعد حراك وصامتة بعد نطق فتلك الحركة وذلك المنطق توقفا فلا حركة ولا كلام فهذا الشجاع البطل الذي كان يتحرك في ميادين القتال قد توقفت حركته وتعطلت وهذا الخطيب البليغ الفصيح قد أخرسه الموت فتوقف عن الكلام إنها عبرة يوجههم إليها ويقول لهم ليعظكم سكوني الذي أنا فيه وهذه الوقفة المتداعية مني التي لا أملك فيها رفع عيني عن الأرض ولا أقدر على أن أحرك أطرافي من رأسي ورجلي إلى غيرها . . فإن هذا الذي ترون مني أوعظ لمن أراد أن يعتبر من الواعظ البليغ الفصيح ومن أعظم قول يستحق السمع والانتباه إليه وهذا أمر طبيعي فإن المتكلم البليغ والكلام المسموع ما هو إلا حكاية عن واقع وصورة عن حقيقة فمهما كان تأثير ذلك لن يكون كإحضار الحقيقة نفسها ووجود المحكي بعينه ومهما يعظ الخطباء في الموت لن يصل ذلك إلى مستوى أن يرى الإنسان جثة ميت ويبيت معها ليلة واحدة منفردا . . . ( وداعي لكم وداع امرى ء مرصد للتلاقي ، غدا ترون أيامي ويكشف لكم عن سرائري وتعرفونني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي ) إنها كلمة الوداع التي يطلقها المفارق للأحبة . . . وداعي لكم وداع امرى ء مهيأ للقاء اللّه منتظر لرحمته . . إنه أمل المحبين والعاشقين وغدا عندما يحكم بنو أمية ترون أيامي الماضية وما كانت تحمله لكم من العز والكرامة وتعرفون أنني لم أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين إلا لإحقاق الحق وإزهاق الباطل والقضاء على المنكرات . . وإنه سيكشف لكم عن سرائري وما كنت أنويه وإنني لم أكن أبغي الملك والسلطان وإنما كان همي أن أقيم الحق والعدل . . وستعرفونني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي فعند ما انتقل إلى اللّه وتخلو الساحة لمعاوية ولبني أمية ستعرفون حاجتكم لي وستبكون على تلك الأيام التي مرت عليكم في حياتي . . ستعرفون جيدا ما تحمله الأيام المقبلة من ظلم وعدوان ومن مفاسد وقبائح وعندها تعرفون حقي وما كنت أريده لصالحكم وصالح الإسلام . . .