تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
فرد وقد اعجل حاديه فإنه لم يترك الناس أو يمهلهم ليدبروا شؤونهم بل أخذهم بسرعة وساقهم إلى نهايتهم بقوة . . . ( فلا يغرنك سواد الناس من نفسك وقد رأيت من كان قبلك ممن جمع المال وحذر الاقلال وأمن العواقب - طول أمل واستبعاد أجل - كيف نزل به الموت فازعجه عن وطنه وأخذه من مأمنه محمولا على أعواد المنايا يتعاطى به الرجال الرجال حملا على المناكب وامساكا بالأنامل ) بعد أن ذكر عليه السلام الموت وإنه الحقيقة الواقعة التي لا بد منها حذّر من الغفلة عنه بما يراه من الناس حوله وهذه حالة نفسية يدخل الإمام إلى عمقها ليحاكيها ويدرسها ويقول لمن توسوس له نفسه بأنه لا يزال على قيد الحياة وإن الناس من حوله كثيرون أن لا يهتم بالموت وما بعده يقول له الإمام لا يغرنك كثرة الناس حولك فأنهم مثلك وسيلاقون ما تلاقيه ويمر عليهم ما يمر عليك وسينالهم ما ينالك ولن يدفعوا عنك شيئا ولن يؤخروا عنك ما ينزل بك . . . وقد لفت النظر إلى أننا قد رأينا من كان قبلنا ممن جمع المال كقارون وخاف الفقر أن يدخل بيته فبخل بمال اللّه على عباد اللّه وأخذه من غير حله ووضعه في غير محله وأمن العواقب لم يحسب لما بعد الموت حساب ولم يعطه أي اهتمام عاش الأمل في حياة طويلة ناعمة ولم يفكر في الموت بل غيبّه وأبعد شبحه عن ناظريه . هذا الإنسان انظر إليه كيف نزل به الموت وسقط عليه القضاء الإلهي فلم يقدر على دفعه أو الهروب منه فأخرجه عن وطنه وبلده الذي كان يعيش فيه آمنا مطمئنا لا يعكر صفوه شيء وكيف أخرج إنه لم يخرج معززا مكرما كما كان يخرج أيام حياته واثق الخطا مطمئن الجنان . . إنه لم يخرج إلا محمولا على نعش جثة هامدة تتناقلها أيدي الناس ويتدافعونها من يد إلى أخرى ومن كتف إلى أختها . . إنها عبرة لهذا الإنسان أن ينظر إلى نهايته ويعتبر بمصيره . . . مهما عاش وجمع واقتنى واستفاد فإنه مصيره على أحسن تقدير أن تحمله أيدي أحبته وأكتافهم إلى المقر النهائي حيث القبر المفتوح الذي ينزلونه فيه وحيدا غريبا . . . ( أما رأيتم الذين يأملون بعيدا ويبنون مشيدا ويجمعون كثيرا كيف أصبحت بيوتهم قبورا وما جمعوا بورا وصارت أموالهم للوارثين وأزواجهم لقوم آخرين لا في حسنة يزيدون ولا من سيئة يستعتبون ) وهذه عبرة لمن اعتبر انظروا إلى من كان يدفعهم الأمل بعيدا . . كانوا ينظرون إلى الحياة فيرونها شوطهم الوحيد وحقل عملهم الفريد فاخذوا يبنون بناء من يخلد في الدنيا حيث يشيدون القصور والدور كما هو المشاهد من تلك