الجاهل ويتثبت العالم ولعل اللّه أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة ولا تؤخذ بأكظامها فتعجل عن تبيّن الحق وتنقاد لأول الغي ) وهذا أيضا جواب للخوارج الذين قالوا لم عيّنت أجلا للتحكيم فكان في الوثيقة « وأجل الموادعة سنة كاملة فإن أحب الحكمان أن يعجّلا الحكم عجلاّه . . » فكان تعيين الوقت من أجل أن يتبين الجاهل أي يعرف الحقيقة خلال هذه الفترة التي تتوقف فيها الحرب فيعود إلى عقله ويثوب إلى رشده ويفكر بهدؤ فلعله يصل إلى الحق وكذلك من أجل أن يتثبت العالم أي يطمئن إلى الحق الذي هو عليه فيكمل الشوط على يقين مما يجاهد من أجله . . . وكذلك كان الأجل المعين رجاء أن تصلح هذه الأمة في مدة هذه الهدنة التي يتوقف فيها القتال فيترك لها المجال في النظر في أمرها وما يصلحها ولا يؤخذ عليها الطريق إلى الهدى والرجوع إلى الحق إذ لو لم نقبل بالهدنة وتعيين الأجل نكون قد ضيقنا عليها ومنعنا بعض الناس من العودة إلى الحق وتركناه مع راية الضلال والانحراف . . . وبعبارة أخرى : إن الإمام يعيش مع الحق والعدل ولذا لا يترك فرصة لأحد يستطيع العودة إليهما إلا ويوفرها له . . همه أن ينقذ هذا الإنسان مما هو فيه من ضلال فلذا يؤقت للهدنة لعل أصحاب النفوس الطيبة ترجع عن ضلالها .
( إن أفضل الناس عند اللّه من كان العمل بالحق أحب إليه - وإن نقصه وكرثه - من الباطل وإن جرّ إليه فائدة وزاده ) أراد أن يجذبهم إلى الحق فبيّن لهم أن أفضل الناس عند اللّه من كان الحق عنده آثر وأحب إليه من الباطل وإن كان الحق يجر عليه شدة في البدن أو نقصانا في المال لأنه من القيم المعنوية التي تسقط أمامها المنافع والفوائد التي يمكن أن يوفرها الباطل وما الدنيا وقيمتها إن خلت من الحق وأهله . . . ( فأين يتاه بكم ومن أين أتيتم ) استفهم متعجبا منهم وهو العالم بهم قائلا كيف تذهبون هذه المذاهب الباطلة التي تخرجكم عن الحق وتدخلكم في الباطل .
ومن أين أتيتم من أي جهة أتاكم الشيطان حتى استطاع أن يدخل عليكم ويحرفكم عن الاستقامة ومن المعلوم أنه جاءهم من الغباء واللاوعي ومحدودية الفكر والنظر . . . ( استعدوا إلى قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه وموزعين بالجور لا يعدلون به جفاة عن الكتاب نكب عن الطريق ) أمرهم بالاستعداد لحرب معاوية وجماعته ورغبهم في ذلك بذكر صفات أعدائهم التي توجب قتالهم فوصفهم : أ - إنهم قوم حيارى عن الحق تائهون عنه لا يهتدون إليه .
شرح نهج البلاغة — صفحة 352
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٣٥٢