تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
كان في مقام الرد على الخوارج الذين أنكروا عليه التحكيم وكانوا قد قالوا حكّمت الرجال في دين اللّه - يعني عمرا وأبا موسى - فأجابهم الإمام بأجوبة عديدة وحاورهم كثيرا وكان من جملة ما قاله لهم هذه الكلمات التي تقنع كل ذي لب وتردّ كل ذي شبهة . . . إنا لم نحكّم الرجال لأن معنى تحكيم الرجال هو تفويض الأمر إليهم ليحكموا بما يرون بحسب أنظارهم بقطع النظر عن الكتاب والسنة ومصادر التشريع وإنّا لم نفعل ذلك بل حكّمنا كتاب اللّه وهو مكتوب محفوظ بين الدفتين ليس له لسان يتكلم به عن المراد ، فالآية التي تقرأها تحتاج إلى من يشرحها ويفسرها ويبيّن المراد منها إذ ربما كان له أكثر من معنى وأكثر من وجه وربما دلت الآية على معنى آخر غير ما يتراءى لك فالقرآن حمّال ذو وجوه ولا بد له من ترجمان يكشف المراد منه ويفسره ويبيّن مدلوله وإنما يتولى ذلك الرجال الذين يقومون بالكشف عن مدلوله وبيان المراد منه . ( ولما دعانا القوم إلى أن نحكّم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب اللّه سبحانه وتعالى وقد قال اللّه سبحانه : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فرَدُوُّهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ فرده إلى اللّه أن نحكم بكتابه ورده إلى الرسول أن نأخذ بسنته فإذا حكم بالصدق في كتاب اللّه فنحن أحق الناس به وإن حكم بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فنحن أحق الناس وأولاهم بها ) بيان منه لقبول التحكيم وأنه إنما استجاب للقوم لوجود النزاع ومع وجود النزاع فلا بدّ من الرجوع إلى اللّه ورسوله ولم يكن له أن يترك ذلك أو لا يعمل به وقد قال سبحانه : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فرَدُوُّهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ والرد إلى اللّه أن نحكم بكتابه والرد إلى الرسول أن نحكم بسنته وهذا الأمر مما يوافقنا ومما نريده ولم يكن القتال إلّا من أجل أن يحكم القرآن والرسول فإذا حكم الحكمان بحكم اللّه وحكم رسوله فنحن معهما وإلا فلا طاعة لهما ولا يقبل حكمهما . . . أخذ عليه السلام على الحكمين أن يحكما بالصدق والحق والعدل في كتاب اللّه وسنة نبيه بأن ينظرا فيهما . . وبالبداهة الحكم من القرآن لصالح الإمام لأن معاوية ومن معه بغاة واللّه سبحانه يقول : فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ . . . . وأما السنة فلأن من خرج على إمام العدل وأراد أن يضرب وحدة المسلمين وجب قتاله وعلى هذا إن حكم الحكمان بالصدق وهذا هو الصدق قبلنا بحكمهما وإلا فلا يقبل قولهما بل يرد عليهما ويضرب به وجهيهما . . . ( وأما قولكم : لم جعلت بينك وبينهم أجلا في التحكيم فإنما فعلت ذلك ليتبين